التربية الأثينية والاسبرطية

Posted by admin On May - 3 - 2011

التربية الاسبرطية والأثينية

مقدمة :

لم يكن للدين بالنسبة للتربية الإغريقية سلطان قوي عليها وكانت الحياة وليست الموت والحياة الأخرى مركز الاهتمام فيها . ولعل ذلك يرجع إلى أن الإغريق لم يكن لهم تراث ديني أو كتاب مقدس بتعاليم يتحتم على كل الناس معرفتها وتقبلها والعمل بموجبها ولم يكن لديهم نظام موروث للكهانة يكون له السلطة النهائية في تقرير الحق والصواب وقواعد السلوك ، وعلى هذا كان العقل اليوناني القديم منذ البداية متحررا من القيود التي يفرضها الدين كما كان الحال في الشرق الذي عرف الديانات المختلفة ، وقد ساعدت هذه الحرية والتحرر والعقل اليوناني الاثيني على وجه الخصوص على التساؤل الحر عن طبيعة العالم المادي والمشكلات الاجتماعية المختلفة وهو أمر تميز به العقل اليوناني في تطوره .

ويهمنا ونحن بصدد الكلام عن التربية الاغريقية أن نميز بين نمطين تربويين متناقضين لأكبر مدينتين هما أثينا واسبرطة .

 

أولا : التربية الاثينية :

استهدفت التربية الاثينية تحرير عقل الإنسان وتكوين اتجاه فكري ناقد نحو الحياة والمجتمع وتنمية الاتجاه الديمقراطي التحرري لديه ، وقد عرفت هذه التربية بالتربية الحرة لأنها استهدفت الوفاء باحتياجات أفراد أحرار سياسيا ذوي عقل تحرري من القيود التي استعبدته في الماضي ، من هنا كانت التربية الاثينية ذات نزعة تحررية تهدف إلى إعداد الفرد أن يحيا في المدينة الدولة ولم تكن لإعداده ليوم الحساب بمعرفة اوزوريس قاضي الموتى في العالم الآخر كما في مصر القديمة وبعد القرن الخامس ق .م اتجهت التربية الاثينية إلى التقليل من الاهتمام بالنواحي الجمالية والدينية والعناية بالجانب العقلي فقط وذلك بعد هزيمة اثنيا على يد اسبرطة في الحروب البليونيزية .

أعتقد بأن تحرير العقل كان يعني التخلص من أفكار الخرافة والتحرر الكلي منها وانفتاح العقل لآفاق بعيدة .

التعليم المدرسي في أثينا :

من الصعب تحديد متى بدأت أولى المدارس النظامية في أثينا ولكن هناك إشارات يستدل منها إلى أن المدارس وجدت أواخر القرن السابع والجزء الأول من القرن السادس ق.م وهناك من يقول أن المدارس نشأت في أثينا في الجزء الأول من القرن 7.ق.م وفي العصر الهيليني بدأت الدولة تفرض إشرافها على التعليم كما بدأت المدارس تأخذ شكلا محددا في مراحل ثلاث ، أولية وتهتم بدراسة اللغة وثانوية وتهتم بدراسة النحو وعالية تهتم بدراسة الفلسفة والخطابة وهذا التنظيم المدرسي هو الذي انتقل إلى الإمبراطورية الرومانية ومن بعدها إلى كافة دول أوروبا والعالم الغربي .

وبرأيي أن التعليم النظامي في اثينا يعطيها الريادة في مجال التربية والتعليم وذلك لأنه في هذه الفترة لم تكن المجتمعات تعرف الكثير عن التعليم والمدارس النظامية.

 

أولا : التعليم الأولى:

أنشئت المدارس الأولية أو الابتدائية بمعرفة المدرسين الخصوصيين الذين كانوا يحصلون على مصروفات من التلاميذ نظير تعليمهم وكان هناك ثلاث أنواع من المعلمين للتعليم الأولي في أثينا أحدهما للغة وللنحو والثاني للموسيقى والثالث للألعاب الرياضية ، وحيثما وجد المعلم وجدت المدرسة وكان الآباء يختارون المعلم ويرسلون إليه أبنائهم ليعلمهم ، وأحيانا ما كان يتعاون معلم اللغة ومعلم الموسيقى في القيام بعملهما معا في مكان واحد فكان الأولاد يتلقون تعليمهم من هذين المعلمين في نفس المكان ، وكان أكثر المعلمين انتشارا هم معلموا النحو والألعاب الرياضية ، وكان الأولاد يقضون بعض وقتهم مع معلم اللغة والبعض الآخر مع معلم التربية الرياضية في البالستيرا وكان اليوم المدرسي طويلا .

برأيي أن هذه المرحلة تشكل المرحلة الاولى للتعليم بشكله المعروف والذي أصبح يتطور حتى أخذ شكله الحديث الذي نعرفه الآن .

ثانيا : التعليم الثانوي :

كان التعليم بعد المرحلة الأولية بعد سن 14 و16 يتمثل في مواصلة التدريبات الرياضية في الساحات الرياضية العامة والدراسة العقلية على أيدي السفسطائيين وكانت هناك ثلاث ساحات رياضية عامة تنفق عليها الدولة في أثينا أقدمها هي ساحة ( الأكاديمية) والتي منها أخذت أكاديمية أفلاطون اسمها وكانت هذه الساحة يفد إليها العناصر الاستقراطية وثانيها ( ساحة الليسية) التي أسسها بركليز في القرن الخامس قبل الميلاد ومنها أخذ أرسطو اسم مدرسته التي أنشأها بجوارها.

والثالثة ساحة السينو سارجي وكانت مخصصة للأجانب وغير المواطنين .

أما التعليم العقلي فكان يقوم به السوفسطائيون وكانوا يقومون بتعليم مواد دراسة متنوعة نظير رسوم دراسية ، وكان لا يأتي إليهم إلا من يستطيع دفع هذه الرسوم وكان التدريب العسكري يمثل نوعا من التعليم الذي كان شائعا وعاما للشباب من المواطنين الذين بلغوا سن الثامنة عشرة .

برأيي أن التعليم الاثيني كان يشتمل على التنمية العقلية والتنمية الجسدية للطفل وكانت التنمية الجسدية تصبح مركزة بعد بلوغ الطفل سن 14 أو 15 سنة وكانت التنمية العقلية تتم على أيدي السفسطائيون .

 من هم السفسطائيون :

أدى تزايد الحقوق السياسية وقوة الطبقات الدنيا في المجتمع إلى تأثير كبير من الناس على الحكم وانتشار الديمقراطية ، وقد فتح ذلك الطريق أمام مدرسة الخطابة وظهور المعلمين السفسطائيين الذين تولوا إعداد الشباب للحياة الاجتماعية الجديدة وقد عاشوا في القرنين الخامس والرابع ق.م ولم يكن هؤلاء المدرسون مجرد راغبين في المال وإنما كانوا يريدون إعداد الشباب على منوالهم فقد كره المحافظون ومنهم أفلاطون فكرة تعليم الشباب ليصبح غنيا ذا نفوذ بدلا من تعليمهم لإعداد الجسم والعقل والشخصية وكان الاختلاف واضحا بين الارستقراطيين المحافظين الذين يميلون للفضائل الهوميرية وبالنسبة لأفلاطون الذي يميل لحياة البحث الفلسفي وبين السفسطائيين الذين يهتمون بتعليم عالم الطبيعة والإنسان أملا في تعلم تصريف امورهما .

ويفترض الفسطائيون بأن الإنسان مقياس كل شيء ، وقد عبر بروتاجوراس وهو من أشهر المعلمين السفسطائيين عن هذا المبدأ السفسطائي في كتابه ( ا لحقيقة) فذكر فيه أن الإنسان مقياس كل شيء وهو مقياس وجود الأشياء وعدم وجودها وكان أهم تأثير للسفسطائيين على التعليم الثانوي الذي أدخلوا عليه دراسة النحو والخطابة بعد القرن الخامس ، وكان هذا أهم إنجازاتهم التعليمية وهو الذي استمر حتى العصور الحديثة ، وقد نجح قدامى السفسطائيون برغم هجوم أفلاطون عليهم لأنهم سدوا بحق ما أحس به الكثيرون أنه احتياجات العصر وعلموا الشباب الاثيني كل ما يحتاج إليه من علوم وسياسة ورياضة ومنطق وفلك وكان تركيزهم على الخطابة .

ويقول أفلاطون أن السفسطائيين علموا الشباب تجاهل العدالة والبحث عن كسب المناقشة ولكنه قال أن ذلك لا ينطبق على جميعهم .

وقد بدأ الاثينيون يتعصبون ضد السفسطائيون بعد أن رحبوا بهم في أول الأمر وربما كان من أسباب ذلك النقد الذي وجهه إليهم المحافظون من أمثال أفلاطون .

ونظرا الاثينيون إليهم كمعلمين ينقصهم عمق الفكر واصالة الرأي وأنهم لا يتقنون إلا الجدل والحيل الكلامية والمغالطات واتهموا أخيرا بإفساد الشباب ومساعدتهم على الانحلال وتحطيم النظم والتقاليد القديمة .

أعتقد بأن السفسطائيون قد ظلموا بشكل كبير وما زال الكثيرين يجهلون حقيقة السفسطائيون وأحيانا نلاحظ بأن البعض يصف الطرف الآخر الذي لا يعرف إلا الجدل بالسفسطائي والحقيقة أن السفسطائيون كانوا معلمين متميزين استطاعوا أن يسدوا احتياجات العصر الذي عاشوا فيه فعلموا الشباب العلوم السياسية والمنطق والفلك والرياضة والكثير من العلوم وركزوا بشكل خاص على الخطابة وهذا في رأيي ليس عيبا او نقيصة من النقائص .

 

ثالثا : التعليم العالي :

يشمل الكلام عن التعليم العالي في اليونان المدارس الفلسفية ومدارس الخطابة ومراكز الفكر والثقافة .

1- المدارس الفلسفية :

شهد القرن الرابع قبل الميلاد تطورا هاما في التعليم العالي على وجه الخصوص فقد شهد هذا القرن نشأة المدارس الفلسفية التي وضعت أساس هذا التعليم في أثينا فقد أنشأ أفلاطون أكاديميته وأنشأ أرسطو مدرسته (الليسية) وقد حققت هاتان شهرة كبيرة استمرت لعدة قرون ومن خلالهما نقلت أفكار هذين الفيلسوفين من جيل إلى جيل ، كما كانت نموذجا يحتذي نقلته الدول المختلفة حتى وقتنا الحاضر فالأكاديميات موجودة الآن في فرنسا وانجلترا والولايات المتحدة وبعض البلاد العربية وغيرها من البلاد الأخرى كما توجد مدارس الليسية في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وغيرها .

وقد كرست أكاديمية أفلاطون نفسها لدراسة الفلسفة والمنطق والميتافيزيقيا ( أو ما وراء الطبيعة) والأخلاق والسياسة والقانون والأدب والرياضيات والهندسة والموسيقى والفلك والطبيعة أما الليسية فكانت تعنى بدراسة الفلسفة والمنطق والأخلاق والسياسة والبلاغة والجمال والعلوم الطبيعية والنبات والحيوان والتشريح والطب والجيوليوجيا والجغرافيا ويرجع ذلك إلى اهتمام أرسطو نفسه بالعلوم وقد الحق بمدرسته مكتبة ومتحفا للعلوم .

أظن بأن هذه المدارس كانت تمثل نقلة شديدة الأهمية في مجال التربية والتعليم لأنها كانت منعطف هام في ميدان التعليم .

2- مدرسة الخطابة :

أنشأ ايسوقراط (436- 338ق.م) مدرسته المعروفة بمدرسة الخطابة وهو غير سقراط (470- 399ق.م) ويلقب الفرنسي الشهير مارو ايسوقراط بأنه سيد الخطابة الثقافية ، وقد كان ايسوقراط من كبار السفسطائيين ومن كبار أصحاب النظريات التربوية من الإغريق . فقد كان طول حياته معلما للخطابة وكان لآرائه تأثير كبير على التربية الإغريقية وامتد إلى التربية الرومانية ، وقد اعتبر أن الخطيب الحقيقي ينبغي أن يكون أساسا رجلا ذا طبيعة خيرة فاضلة يهب نفسه في خدمة المصالح العامة .

وقد تنبه ايسوقراط إلى ضرورة التربية كعملية هامة في تكوين الإحساس بالمسئولية الاجتماعية .

وقد كانت لآراء ايسوقراط تأثير هام على رواد الخطابة الرومان من أمثال شيشرون وكونتليان وعلى الرغم من ذلك فإن تأثير أرائه على الفكر التربوي بصفة عامة لم يكن لها ذلك الانتشار والذيوع بمثل ما كان لآراء أفلاطون وأرسطو وذلك لأن ايسوقراط كان معنيا بالخطابة وقد كانت مدرسته أكثر المدارس شهرة في عالم الخطابة .

أرى بأن الخطابة كما هو معروف كانت هامة ومؤثرة وكان الفلاسفة اليونان يرون بأن الخطابة ركن أساسي من أركان المعرفة وذلك لأنها تستطيع أن توصل الأفكار للآخرين بالشكل المطلوب .

 

3- المراكز الفكرية والثقافية :

إلى جانب المدارس الفلسفية والمدارس الخطابية كانت هناك مراكز التعليم العالي في العالم الهيليني خارج أثينا  في برجاموم في آسيا الصغرى ورودس وإنطاكية وسمرنا وغيرها إلا أن أشهر هذه المراكز جميعها كانت مدرسة الإسكندرية حيث كان العلماء والطلاب يفدون إليها من كافة الأنحاء  .

مدرسة الإسكندرية :

تعتبر مدرسة الإسكندرية أعظم إنجازات التربية الهيلينية والتي كانت آنذاك جزءا من الإمبراطورية الهلينية ولقد استضافت المكتبة لفترة سبعمائة عام أفضل المثقفين الذين لم يتجمع مثلهم في مكان واحد حتى عصرنا الحالي ولقد احتوت المكتبة في القرن الأول قبل الميلاد على 700000 مخطوط وفي عام 646ق.م كان بها حوالي مليون مخطوط عندما فتح العرب مصر ، بقيادة عمر بن العاص ، وقد أحرقت هذه المكتبة بمعرفة غلاة المسيحيين المتعصبين ضد التراث الفكري العلماني الذي خلفته الثقافة الهيلينية .

وقد أدت مكتبة الإسكندرية خدمات كبرى للتقدم الثقافي والحضاري .

تعلم المرأة الاثينية ومكانتها :

كانت مكانة المرأة وضيعة في أثينا ، إذ كانت مستعبدة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية ، ولم يكن للمرأة سلطان على حياتها فكانت قبل الزواج ملك لوالدها وبعد الزواج ملك لزوجها وكان الطلاق صعبا لها وسهلا للرجل .

وكانت المرأة حبيسة المنزل في ركن خاص بها وقد كانت المرأة الفقيرة يسمح لها بأن تخرج إلى البئر لإحضار الماء وأن تظهر بمفردها في الشارع أما المرأة الغنية فلم تكن تظهر في الشارع بدون غطاء على وجهها وبصحبة محرم أو خادم أو عبد ، وبذلك نجد أن المنزل هو مجال المرأة الاثينية الحرة وقد سمح لها أحيانا بممارسة الطب أو التمريض وكان هناك بنات للتسلية يعملن كراقصات أو موسيقيات أو كروبات ولكن لم يكن هؤلاء من اسر محترمة .

أظن بأن احدى المآخذ الكبرى على التربية الاثينية هو وضع المرأة لديها والتي كان ينقصها الكثير حتى تصبح انسانة كاملة الحقوق .

ثانيا : التعليم في اسبرطة :

تعتبر اسبرطة ثاني أكبر مدينتين في بلاد الإغريق وقد تطورت من مجتمع بدائي قبلي إلى دكتاتورية عسكرية أرستقراطية نظرا لتفاوت النمو السياسي بين المدن اليونانية وكانت اسبرطة يحكمها نظام قاس يتحتم على المواطنين الالتزام به وإلا تعرضوا للتجريد من المواطنة ، ولم يكن للآباء سلطان على أبنائهم فقد كان الأطفال يعتبرون ملكا للدولة ، وكان الطفل عند مولده يستحم بالخمر لإثبات مدى قدرته وتحمله  وكان الطفل الرضيع يعرض على مجلس عام من الكبار ليقرر ما إذا كان يستحق الحياة أو الموت ، وكان الأطفال الضعاف أو المشوهين يلقون على قمم الجبال حيث يموتون أو تأكلهم الطيور الجارحة ، أما الطفل الذي يجتاز الامتحان فيرسل إلى المنزل ليقوم والده بتربيته حتى سن السابعة وعندما تقوم الام بتسليمه إلى الدولة لتتولى تربيته ، فقد كانت الدولة في اسبرطة هي التي تسيطر على التربية وهي التي تقوم بالإشراف عليها .

برأيي أن التربية الاسبارطية كانت شديدة القسوة وقائمة على القوة والرغبة بالتفوق وعدم القبول بأي نوع من أنواع الضعف الجسدي .

هدف التربية الاسبرطية :

كان لا بد أن تتمشى أهداف التربية الاسبرطية مع النظام الاجتماعي الذي يحكمها ويسيطر عليها ، وقد استخدمت الدولة في اسبرطة التعليم لخدمة أغراضها وهي بهذا تعتبر نموذجا للتربية في المجتمعات الدكتاتورية والجماعية في العصور الحديثة وقد استهدفت التربية الاسبرطية تكوين الجسم العسكري القوي وبناء روح الجندية المخلصة المتفانية في خدمة وطنها وتحمل أقصى الصعاب في سبيل ذلك

 

 

 

محتوى التربية الاسبرطية :

لم يهتم الاسبرطيون بتعليم القراءة والكتابة ومن منهم تعلمها بدافع من نفسه وبهذا قلما وجد بين الاسبرطيين من كان يعرف القراءة والكتابة ، وفي حين كان الاسبرطيين يعتبرون تعليم القراءة والكتابة والموسيقى أمورا غير مرغوب فيها كان الاثينيون يعتبرون عدم معرفتهم بهذه العلوم من الأمور المفزعة ، وقد صف ايسوقراط الاسبرطيين بأنهم أكثر تأخرا من البرابرة وأنهم قد تأخروا في الثقافة والعلم حتى أنهم لا يحاولون حتى تعليم أنفسهم القراءة والكتابة.

نرى بأن الاسبارطيون كانوا يمثلون الجسد القوي الصلب ولكن هذا الجسد لم يكن يحمل عقلا راجحا وذلك لأن التعليم كان من الأمور الغير مهمة في رأيهم والغير مرغوبة على عكس الاثينيين .

نظام التربية الاسبرطية:

كان النظام التربوي الجسمي والعسكري قاسيا لدرجة أن بعض الشباب كان يموت من جرائه ، فقد كانت اسبرطة تعتمد على الشباب القوي القادر على الاحتمال ، وكانوا يحملون على قتل الآخرين وسفك الدماء كجزء من تدريبهم حتى يتعودوا على القسوة ورؤية الدم ومن ثم يمكنهم حماية الدولة وكان تدريب المرأة مثل تدريب الرجل إلا أنه أقل صعوبة منه فقد كانوا يرون ضرورة أن تكون المرأة قوية حتى تنجب أطفالا أقوياء

وكان تدريب الشباب يمتد حتى سن الثلاثين وعندها يجبرون على الزواج ويصبحون مواطنين مع بقائهم كجنود طول حياتهم ، ومنذ السابعة كان يلحق الأطفال بالمدارس الداخلية ، حيث يعيشون حياة أشبه بحياة الجنود في المعسكرات ، وكانوا يقسمون إلى فرق ويعهد بالإشراف على كل منها إلى شاب في سن العشرين ممن أتموا تدريبهم .

وبعد سن الثانية عشرة ينقل الأولاد إلى تدريب عسكري عنيف لمدة عامين تحت الإشراف المباشر للجيش وبعدها يصبحون أعضاء عاملين فيه لمدة عشر سنوات .

تعليم البنت ومكانتها:

كانت البنات تلبس ملابس مشابهة لملابس الأولاد إلا أنها أطول قليلا ومفتوحة من الجانبين ، وكانت البنات يتعرضن للتمرينات الرياضية الصعبة كالجري والسباحة ورمي الرمح والمصارعة .

اعتقد بأن التربية لا بد أن تشتمل على جانبين الجانب العقلي والجانب الجسدي والجانب الجسدي لا بد أن يراعي القدرة البشرية والفروق بين الرجل والمرأة فالمرأة لا تستطيع مجاراة الرجل في قدراته الجسدية لأن الله تعالى أعطى الرجل جسدا أكثر قوة وأكثر قدرة على التحمل وأعطى المرأة قدرات أخرى لا يملكها الرجل .

تقويم التربية الاسبرطية :

يقول المؤرخون عن التربية الاسبرطية أنها نجحت في خلق جنود قساة غلاظ شجعان دائبين على حماية دولتهم لكنها لم تنتج فنانا أو فيلسوفا أو عبقريا ولم يكن لها دور في تقدم المدينة والإنسانية وإنما كانت نموذجا للتربية في دولة تسلطية تسودها الروح العسكرية التي تزدهر في الحرب وتنطفئ في السلم ، وقد انتقد أرسطو هذه الدول العسكرية بقوله : أنها تكون في مأمن في زمن الحرب لكنها تفشل حينما تحقق إمبراطوريتها ويعم السلم ففي مثل هذا الحال تصبح مثل النعل غير المستعمل ..

كما أن التربية الاسبرطية أيضا أنتجت نساء تجردن من كثير من أنوثتهن وكن خشنات الطبع قاسيات ، لقد كانت المرأة الاسبرطية أقرب إلى طابع الرجل منها إلى طابع الأنثى ومن من الإناث تريد أن تتخلى عن طابع بنات جنسها؟

المعلمون :

اختلف وضع المعلمون في اسبرطة عنه في أثينا ، فقد كان المعلمون في اسبرطة من موظفي الدولة على عكس نظرائهم في أثينا ، وكان هناك اختلاف في النظرة إلى المعلم في أثينا بوجه عام . فعلى حين كانت النظرة إلى معلم المدرسة الأولية بسيطة كان الأمر مختلفا بالنسبة للسفسطائيين وغيرهم من المعلمين العظام الذين وصلوا إلى منزلة عالية في أثينا من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو ، وقد يرجع ذلك إلى أن معلمي المدرسة الأولية لم يكونوا يحظون باحترام المجتمع الاثيني فقد ذكر بعض كتاب اليونان أن معلمي اللغة كانوا من بين الذين لم ينجحوا في أية مهنة أخرى ، كما أن قيام العبيد (الببداجوج) بوظيفة التدريس قد ساعد على الانتقاص من المهنة رغم أن هؤلاء العبيد لم يكونوا من الطبقة الدنيا بالضرورة لأن كلمة العبيد كانت تطلق في المجتمع الاثيني على أسرى الحروب وقد يكون هؤلاء الأسرى من أصحاب المكانة في بلدهم قبل أسرهم .

 

 

أعلام الفكر اليوناني :

قد يكون القرن الرابع قبل الميلاد من أخصب القرون في العالم الغربي القديم ذلك أن مؤرخ التربية يجد فيه عمالقة الفكر الإغريقي من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو ، وقد امتد تأثير هؤلاء العمالقة إلى جميع جوانب الفكر الإنساني وأصبح فكرهم تراثا مشتركا للإنسانية جمعاء .

* سقراط :

ولد سقراط في أسرة متواضعة فقد كان أبوه نحاتا وقد ولد بأثينا وعاش فيها كل حياته ، وهو الفيلسوف والمفكر الوحيد الذي جاد به القرن الخامس قبل الميلاد وامتدت حياته إلى بداية القرن الرابع ق.م ولم يترك سقراط أي مؤلف مكتوب عن نفسه أو أفكاره وكل ما نعرفه عنه مأخوذ عمن كتبوا وتحدثوا عنه .

ويعتبر سقراط من المعلمين العظام ويمكن تصنيفه على أنه من عظام السفسطائيين لأنه درس علومهم وسار على منوالهم وآمن بفكرهم وإن اختلف عنهم فهو أثيني أصيل كما أنه كان لا يتقاضى رسوما على تعليم طلابه الشباب الاثيني الذي كان يلتقي حوله لإعجابه به واعتبر التدريس أمانة سماوية في عنقه واعتبر سقراط المعرفة أساس الوحدة الاجتماعية وأساس السلوك الصحيح وأدى به ذلك إلى الاهتمام بماهية الإنسان والأخلاق بإعتبارهما أهم شيء للإنسان واعتبر أن الإنسان مقياس كل شيء .

مماتقدم نلاحظ بأن سقراط كان  يرى أن الأهداف الحقيقية تتمثل في تنمية قدرة الفرد على التفكير حتى يصل إلى المعرفة بنفسه ، وهذه المعرفة في ذاتها هي أساس السلوك الصحيح كما تتمثل في معرفة الحكمة والفضيلة التي تحقق للفرد النجاح والسعادة في حياته . وهي أفكار ثاقبة من سقراط فما زالت التربية حتى اليوم تعتبر ذلك هدفها الأسمى.

كان لطريقة سقراط في التدريس أهمية تربوية خاصة لدارسي التربية والمعلمين ، فقد شهر بالطريقة التي عرف بها ونسبت إليه ونعني بها طريقته في توليد الأفكار والمعاني من خلال المناقشة والسؤال والجواب .

* أفلاطون :

كان أفلاطون استقرا طيا على عكس سقراط الذي كان متواضع من الثروة والمكانة ، واعتقد أفلاطون بأن وظيفة التربية هي تنمية الفضيلة والمواطنة الصالحة لدى الأفراد وأن عليها أيضا أن تدرب العقل وتعلمه على الأمور الحسية وذلك عن طرق إيقاظ الملكة العاقلة لدى الإنسان وقد ذهب أفلاطون إلى القول بأن هذه الملكة العاقلة لا تعمل في الطفولة وإنما في دور المراهقة.

أعتقد بأن التدريب العقلي وما زال الهدف الرئيسي للتربية في كل المجتمعات على اختلاف العصور وقد أدت فكرة أفلاطون إلى جانب احتقاره للفنون العملية إلى التمييز بين التعليم النظري والتعليم الفني وأن الأول أرقى من الثاني وهي فكرة سيطرت على الفكر التربوي قرونا طويلة من الزمن .

نظام التعليم الافلاطوني :

تصور أفلاطون نظاما للتعليم قسمه إلى المراحل التالية :

1-    مرحلة الحضانة :

يتمشى تصور أفلاطون المرحلة الحضانة مع فكرته عن شيوع الملكية وتملك الدولة لكل شيء بما في ذلك الأفراد وذلك إن مرحلة الحضانة تبدأ من ولادة الطفل حتى سن السادسة واعتبر المرحلة من ثلاث سنوات إلى ستة هي أهم مرحلة عمرية للطفل بالنسبة للتعليم .

2-    المرحلة الأولية :

وتبدأ من السادس حتى سن 13 ويتعلم الأطفال فيها  في المدرسة الأولية ويعيشون في المساكن الداخلية التي تعدها الدولة مع فصل الأولاد عن البنات ، وفي هذه المرحلة يدرس الأطفال الدين والأخلاق والموسيقى والرياضيات ويمارسون اللعب والرياضة ومبادئ التدريب العسكري وركوب الخيل .

3-    المرحلة المتوسطة والثانوية :

وتمتد من سن 13 سنة حتى 20 تخصص الثلاث سنوات الأولى منها (من 13- 16) لمواصلة دراسة مواد المرحلة الأولى إلى جانب تعليم العزف على القيثارة التي أصر أفلاطون على أن يتعلمها التلميذ طيلة ثلاث سنوات والفترة من 16 إلى 18 تخصص للممارسة العنيفة للألعاب الرياضية والتدريب العسكري , أما الفترة من 18 -20 فيركز فيها على التدريب العسكري ولا تدرس فيها أي مواد عقلية .

4-    المرحلة العالية :

ويختار لها الصالحون من البنين والبنات في سن العشرين لإعدادهم ليكونوا فلاسفة وحكاما ومدة الدراسة في هذه المرحلة عشر سنوات تخصص للدراسات العلمية التي حددها افلاطون بالحساب والهندسة والفلك والموسيقى دراسة علمية منظمة .

5-    الدراسات العليا :

يوجه الشباب بعد سن الثلاثين حتى الخامسة والثلاثين لدراسة الجدل والفلسفة ودراسة نظرية الأخلاق وعلم النفس ونظم الحكم والقوانين ومن سن 35 إلى 50 يقوم الشباب على خدمة الدولة في مرافقها المختلفة .

* أرسطو (384-322ق.م) :

كان والده نيكوما خوس طبيبا شهيرا ، افتتح أرسطو مثل معلمه مدرسة وهي الليسية وهي التي ظلت حتى 529ق.م حتى أغلقها الإمبراطور جستنيان كمدرسة من المدارس الوثنية وكان من عادة أرسطو أن يمشي في المدرسة حوله تلاميذه يسيرون معه ويلقي عليهم دروسه لذا سمي أتباعه بالمشائين ويقال أن دروسه كان تلقى في فترتين صباحية ومسائية .

وتلخص أفكار أرسطو في البلاغة أعمال أفلاطون عن الجدل وتطورها ، وكذلك أعمال السفسطائيين البلاغيين ، وربما تكون أفكار أرسطو في النقد الأدبي والمنطق من بنات أفكاره الأصلية وحتى إن لم تنسب إليه ، كتب ارسطوا بإستفاضة في موضوعات الأخلاق والسياسة واخرج كتاب الأخلاق لنيكوماخوس وقد أخذ أرسطو بالآراء الاسبرطية في التربية ومنها سيطرة الدولة على التربية فمن الواجب تشكيل الناس وفقا لرغبة الدولة .

 

 

الخاتمة :

مما تقدم نلاحظ بأن التربية الإغريقية انقسمت إلى قسمين متناقضين من حيث الأسلوب والأهداف حيث أن التربية الاثينية سعت باتجاه تكوين اتجاه فكري ناقد نحو الحياة والمجتمع وكانت ذات نزعة تحررية تهدف إلى إعداد الفرد أن يحيا في المدينة الدولة ولم تكن لإعداده ليوم الحساب وقد اتجهت التربية الاثينية إلى التقليل من الاهتمام بالنواحي الجمالية والدينية واهتمت بالجانب العقلي وقد كانت التربية الأسرية تلعب دورا أساسيا في اثينا القديمة على عكس اسبرطة ففي حين كان الآباء في أثينا يقومون بتعليم أبنائهم كانت التربية الاسبرطية تعهد للدولة التي تعتبر أبناء الدولة ملكا لها ويجب أن تقوم بتربيتهم بالطريقة التي تراها مناسبة حتى يتمكنوا من حمايتها .

كان التعليم في أثينا يشمل كافة النواحي الفكرية الفلسفية والأدبية والموسيقية وغيرها من العلوم أما التربية الاسبرطية فقد ركزت جل اهتمامها على التدريب العسكري وأهملت الجانب العقلي والفكري مما أدى إلى تراجعها كثيرا في المجال الفكري ولم تستطع تقديم أي شيء للحضارة الإنسانية من فكر أو ثقافة أو إبداع .

المراجع :

–       تاريخ التربية في الشرق والغرب. د. محمد منير مرسي . عالم الكتب . 1977. القاهرة .

–       تاريخ الفكر العربي حتى ايام ابن خلدون . عمر فروخ . دار العلم للملايين . بيروت . 1984.

–       التربية في الإسلام ، أحمد شلبي ، دار الكشاف للطباعة والنشر ، القاهرة ، 1954 .

–       التربية ، خليل طوطح .   1978 .

 

اضافة رد

You must be تسجيل الدخول مرحلة ما بعد الرد

تسجيل الدخول

المواضيع