التغيـر الاجتمـاعي

بين نظرة الاجتماعيين والنظرة الإسلامية

 

 

 

الدكتور محمد عبدالله العتيبي

دكتوراه الفلسفة في أصول التربية

حقوق النشر والطباعة والتوزيع

محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى 2006

شركة مطابع المحميد العالمية

الكويت – حولي

للاتصال بالمؤلف عبر البريد الالكتروني

aloweed@yahoo.com

إهــــداء

إلى المغفور له بإذن الله تعالى

عبدالله حسين العويد الغبيوي…

الذي أنتقل إلى جوار ربه في ريعان شبابه.

فنسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة ويسكنه فسيح جنـــــاتــه.

شكر وتقدير

يقول الله تعالى: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [النمل : 40]

ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء”.

وقال الشاعر:

الشكر أفضل ما حاولت ملتمساً
به الزيادة عند الله والناس

وقيل في الأمثال: “إذا قَصُرتْ يدك بالمكافأة فليطل لسانك بالشكر” [مثل مجري].

وانطلاقاً مما ذكرت سابقاً، وتأصيلاً لمبدأ الشكر العربي الإسلامي، أتقدم بالشكر والثناء على كل من أسدى لي نصيحة وشاركني عوناً وثناءً ومحبة.

§    الشيخ الدكتور / علي الناصر الصباح.

§    الدكتور / عبدالعزيز العتيبي.

§    الدكتور / سعد سعود العتيبي.

§    الأستاذ / جاسم الرميان.

§    الشاعر / طالب العربيد.

§    الأستاذ / بسام العسعوسي.

§    الأستاذ / أشرف المصري.

§    الدكتور / جابر جزاع المطيري.

§    وكل من سقط اسمه سهواً من ذاكرتي.

المؤلف

المقـــــدمـة

إذا كان علم الاجتماع هو ذلك العلم الذي يهتم بدراسة الظواهر الاجتماعية، والعلاقات في المجتمع وما يتبعها من تغير واستقرار في البناء الاجتماعي، وما يتولد عن تلك العلاقات من مظاهر وقوانين وعادات وتقاليد، تتحكم في سير المجتمعات بما يعرف بالضبط الاجتماعي لتحافظ على نسق المجتمع واستقراره.

فإن للتغير الاجتماعي دور مميز في تقدم تلك المجتمعات ورقيها، وتغير نمط معيشتها إلى الأفضل.

والتغير الاجتماعي لا يعني في جميع الأحوال تغيراً إلى الأفضل، بل قد يرتد هذا التغير من تحضر إلى التخلف كما سنلاحظه عند عرضنا لنظريات التغير الاجتماعي.

وقد تناولت العديد من النظريات التغير الاجتماعي، وحاولت تفسيره وشرح طبيعته والعوامل المؤثرة فيه، والدارس لتلك النظريات يجد أن الكثير من علماء الاجتماع فسروا التغير بعامل واحد دون آخر لأنهم وجدوا أهمية هذا العامل المباشرة أو تأثيره الواضح في عملية التغير، غير أن البعض الآخر فسّر التغير بحجم التغيرات ومدى ما تحدثه من تأثير على المدى الطويل أو القصير.

ومع كثرة هذه النظريات وتعددها في التغير الاجتماعي، حتى قال: “إليكس أنكلز”([1]): (تكاد تجمع كثير من الكتابات السوسيولوجية الحديثة على أن علماء الاجتماع يفتقدون نظرية شاملة متكاملة في التغير الاجتماعي).

أقول مع هذا التعدد لتلك النظريات، أنني وجدت ضالتي وسط هذه المعمعة إن صح التعبير، خصوصاً أن هذه التفسيرات والشروحات للتغير الاجتماعي، لعلماء شيوعيين وماركسيين ملاحدة أو لرأسماليين نصارى لا دينيين، لذا أردت أو أوضح أن للإسلام نظرته في التغير الاجتماعي وأسبابه وعوائقه، وهذا التفسير لنظرة الإسلام للتغير يعبر عن رأيي وما اعتقده من وجهة نظري الشخصية.

وكان الدافع لي لكتابة هذا الكتاب أنه عند مراجعتي للعديد من كتب علم الاجتماع الحديث والقديم منها، والتي تتكلم عن التغير الاجتماعي وتفسره بآراء غربية لعلماء ملاحدة.

لم أجد من بينها كتب أو كتابات لتفسير التغير من وجهة نظر إسلامية كما أن كتب علم الاجتماع الإسلامي تكاد تكون شحيحة جداً في مكتباتنا العربية والإسلامية، ولهذا فقد أقدمت على عمل كتابي هذا ليعطي رؤية متواضعة من وجهة نظري الشخصية عن نظرة الإسلام للتغير في المجتمعات مسترشداً بذلك ما استطعت من آيات قرآنية وأحاديث نبوية تدعم رأيي وصحتي في هذا الكتاب المتواضع.

وقد بنيت الكتاب هذا من خمسة فصول، وهي كما يلي:

الفصل الأول: مفهوم الثقافة والتغير الاجتماعي بمفهومه الاجتماعي بالإضافة إلى المفهوم الإسلامي من وجهة نظري.

وذلك لأهمية الثقافة في حياة المجتمعات بشكل عام، ودورها في التغير الاجتماعي إيجاباً أو سلباً.

الفصل الثاني: خصائص الثقافة وعناصرها ووظائفها والتغير الثقافي والاجتماعي.

الفصل الثالث: وتطرقت فيه لبعض الدراسات التي تناولت التغير الاجتماعي وعوامله وعوائقه.

من وجهة نظر علماء الاجتماع الغربيين ووجهة النظر الإسلامية لعلاقة الإنسان أو المجتمع بالتغير الاجتماعي.

وأخيراً فإنه من الأهمية بمكان أن نؤسس لعلم اجتماع إسلامي يصحح اعوجاج القديم ويهذبه مما كتب في الاجتماع بشكل عام، ويستفيد من الحديث ويحتويه بما يناسب ديننا الإسلامي الحنيف وعاداتنا وتقاليدنا العربية والإسلامية السامية، والله تعالى أرجو أن يوافقني فيما قمت به من عمل متواضع ويجعل فيه الفائدة والثمرة للجميع والله المستعان.


هدف الكتاب وأهميته:

يهدف هذا الكتاب إلى إبراز النظرة الإسلامية، تجاه التغير الاجتماعي الذي يحدث في المجتمعات، خصوصاً مع ندرة الكتب التي تبرز النظرة الإسلامية العامة في عمل الاجتماع، كعلم له أهميته في العصور الحديثة، من حيث ارتباطه بفروع عديدة من العلم تحرك عجلة الحياة، وأيضاً ميلاد فروع من هذا العلم تخدم الإنسانية من الناحية العلمية والعملية، فضلاً عمّا يقدمه علم الاجتماع بشكل عام من دراسة الظواهر التي تحدث في المجتمعات، وبيان نظرته الاجتماعية فيها سلباً أو إيجاباً.

ولعلي في موضوع التغير الاجتماعي في هذا الكتاب أعكس وجهة نظري المتواضعة من باب الرؤية الإسلامية الشاملة تجاه الإنسان والحياة والكون، مما يعطي القارئ إطار إسلامي عام، في بيان أن كل ما يحدث على هذه الأرض لا يخرج عن إرادة وعلم الله تعالى وقدرته، وأن الطبيعة بما فيها ومن عليها ما هي إلا مخلوق لله تعالى تجري بعلمه وإرادته، لا كما يذكر بعض المؤلفين إما سهواً أو عدم دراية من “أن التغير في ذاته ظاهرة طبيعية تخضع لها جميع مظاهر الكون وشؤون الحياة بالإجمال”، بل الصواب أن التغير ف ذاته ظاهرة وسنة إلهية تخضع لها جميع مظاهر الكون وشؤون الحياة بإرادة الله تعالى وعلمه، فالمعنى هنا أن التغير لا يكون إلا بفعل إلهي رباني وليس للإنسان إلا أن يسير في حكمه وركابه مع حريته في الاختيار، والتي أودعها الله تعالى في ذاته ونفسه.

الأسئلة التي سيجيب عنها المؤلف في الكتاب:

1)           ما الفرق بين النظرة الاجتماعية والنظرة الإسلامية (من وجهة نظر المؤلف) للتغير الاجتماعي والثقافي؟

2)           ما العوامل الثقافية والاجتماعية التي تحدد التغير الاجتماعي والثقافي في المجتمعات؟

3)           ما عوائق التغير الاجتماعي بين النظريتين الاجتماعية والإسلامية؟

4)           ما النظريات الخاصة بعلماء الاجتماع تجاه التغير الاجتماعي، والنظرة الإسلامية له؟

5)           ماذا يمكن أن نخرج به من خلال النظرتين (الاجتماعية والإسلامية) لعلاقة التربية بالتغير الاجتماعي؟

تمهيــد:

يشكل التغير الاجتماعي مبحث عظيم في علم الاجتماع التربوي والعام، ولقد ظهرت العديد من النظريات التي تعالج موضوع التغير الاجتماعي وتفسره وتشرح أبعاده وطبيعته غير أن هذه النظريات على كثرتها إلا أنها لا تكاد تجمع على نظرية واحدة للتغير الاجتماعي، ناهيك أن علم الاجتماع الحديث كما يقال لم يعد يهتم اهتماماً كبيراً بمثل هذه النظريات، لأنها تفتقد إلى نظرية شاملة متكاملة في التغير الاجتماعي.

ولا ريب في ذلك، إذا كانت الأفكار أو الفلسفات التي تفسر التغير الاجتماعي تفسره حسب الأيدلوجية التي تؤمن بها والآراء التي تتبناها، في التغير الاجتماعي فالماركسية مثلاً يتبنون المذهب الاقتصادي المادي ويفسرون التغير بالعامل الاقتصادي وغيرهم كثير مما سنتطرق إليه في عرضنا للكتاب، بل أنني أجد عذراً للمؤلفين حين نقرأ لهم في التغير الاجتماعي أنهم قد تكلموا على نظريات في التغير وتجاهلوا أخرى، فعلم الاجتماع يكاد يغص بهذه النظريات إن صح التعبير.

والنظرة المحايدة في تفسير التغير الاجتماعي تكاد تكون نادرة، بل النظرة الإسلامية للتغير الاجتماعي شحيحة ومعدومة في غالب كتب علم الاجتماع، مع أن الإنسان دين أقام دولة وحضارة حكمت ثُلثي المعمورة في أزمنة سبقت.

وله تصور في تفسير الوجود والحياة والإنسان لا سابق له، وعلى النظرة الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة النبوية المطهرة سيكون منهجي في إثبات النظرة الإسلامية للتغير الاجتماعي، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، والحمد لله رب العالمين.

الفصل الأول

المصطلحات التي يتناولها المؤلف في الكتاب:

أولاً: مفهوم الثقافة: إن لكل مجتمع طابع عيش، وأسلوب حياة يختلف بها عن غيره من المجتمعات، ومفهوم التغير الاجتماعي من وجهة نظر الاجتماعيين ووجهة النظر الإسلامية.

وهذه النمطية المختلفة بين المجتمعات يطلق عليها الثقافة وتتمثل الثقافة بين المجتمعات بأساليب تلك المجتمعات الفكرية ومعارفها ومعتقداتها وقيمتها وأساليبها السلوكية التي تستخدمها تلك المجتمعات الفكرية ومعارفها ومعتقداتها وقيمها وأساليبها السلوكية التي تستخدمها تلك المجتمعات في تفاعل أبنائها مع بعضهم البعض، وكل ما يستخدمه أفراد المجتمع من آلات وأدوات في إشباع حاجاتهم وتكيفهم مع بيئتهم الاجتماعية والطبيعية.

ويشكل أفراد تلك المجتمعات نمط معيشتهم ويعبرون عنها بأفعالهم وإنتاجهم وخبراتهم ومعارفهم وفنونهم.

وبذلك يعتبرون وسطاء نشطين (Active agents) في صنع وملائمة وبناء أنماط معيشتهم، وبالتالي فإن ما تتضمنه الثقافة من قيم وخبراته واتجاهات وفنون، يسهل حياة الأفراد في المجتمع، ويعمل على تكيفهم وإشباع حاجاتهم بالطرق المتعارف عليها ثقافياً، مما يساعد على الضبط الاجتماعي واستقرار المجتمع.


ولما كانت الثقافة تعتبر لحمة المجتمع وسداه، فسوف نتعرف بشيء من الإيجاز على مفهوم الثقافة:

يعرف تايلور الثقافة([2]) بأنها “ذلك الكل المركب الذي يشتمل على المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات والتقاليد والاتجاهات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضو في المجتمع” كما يعرف الثقافة كيلباتريك([3]) بأنها “كل ما صنعته يد الإنسان وعقله من أشياء ومظاهر في البيئة الاجتماعية”.

ثانياً: مفهوم التغير الاجتماعي من وجهة نظر الاجتماعيين ووجهة النظر الإسلامية:

1.    وجهة نظر الاجتماعيين في مفهوم التغير الاجتماعي:

‌أ)          تعريف([4]) فيرتشيلد H. P. Fairchild للتغير “تغيير يعتري العمليات الاجتماعية أو النظم الاجتماعية أو التكوينات الاجتماعية”.

‌ب)   تعريف([5]) جنجلسي ديفز Kingsley Davis “إن التغير الاجتماعي هو التحول الذي يقع في التنظيم الاجتماعي، سواء في تركيبه وبنيانه، أو في وظائفه”.

‌ج)   ويؤكد لندبرج Lundberg “إن التغير الاجتماعي يشير إلى تبدل أو تحول في أنماط العلاقات ومستويات السلوك القائمة بين الأفراد”.

2.  وجهة النظر الإسلامية في مفهوم التغير الاجتماعي “من وجهة نظري الشخصية”: من السنن الإلهية في هذا الكون، والتي جعلها الله تعالى ناموساً يحرك المجتمعات، ويغيرها إذا وافقت فيها أفعال العباد رضا الرب إلى الأفضل وعند عصيانه تحول سنة التغيير إلى الدمار والذُل والخراب، وهذا ما ذكره القرآن في سورة الأنفال فقال عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}([6]).

وسنة التغير، لا تجري هكذا دون أسباب، بل لابد من بذل الأسباب والتي يدعو إليها “كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم)، وذلك بإتباع أمر الله تعالى واجتناب نواهيه، فقد قال تعالى في القرآن الكريم مبيناً “أن لو أهل الكتاب من اليهود والنصارى، آمنوا بالله ورسوله، واجتنبوا الكفر وكبائر الذنوب والفواحش، لكفر الله عنهم سيئاتهم فلم يؤاخذهم ولم يفضحهم ولأدخلهم جنات النعيم”([7]). وبدل أحوالهم وغير من حياتهم إلى الأفضل والأحسن، فقال تعالى في ذلك: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ}([8]).

والوعد في الآيات السابقة متحقق إلى يوم القيامة للمسلمين ولكل من آمن بالله تعالى واتقاه، وأن التغير يحصل والتحول يظهر في حياة الأمم والمجتمعات إذا سارت مع منهج الله تعالى، فمقابل الإيمان يكون الإحسان والرضا، ومقابل الكفر والجحود، يكون الغضب، وهذه سنة الله تعالى في خلقه، وقس على ذلك أحوال العرب قبل الإسلام، وما هم عليه من جاهلية وضياع. ثم في تبدل أحوالهم وتغير أوضاعهم عندما اتبعوا منهج الله تعالى حق الإتباع، وهو ما قصدته بسنة التغير هنا.

وبما أنني تكلمت عن مفهوم التغير الاجتماعي بالنظرة الاجتماعية والنظرة الإسلامية، أحب أن أعطي صورة شمولية عن موضوع الثقافة أولاً ثم دورها في التغير ثانياً.


أولاً: عناصر الثقافة:

1. العموميات([9]): Universals

وهي العناصر المشتركة بين جميع أفراد المجتمع مثل اللغة، العادات والتقاليد، والنظم الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية الخاصة بالمجتمع ككل.

2. الخصوصيات: Specialties

هي تلك العناصر التي تشترك([10]) فيها مجموعة معينة من الأفراد في المجتمع دون غيرها، وقد تكون خصوصيات مهنية، أو وظيفية، وتتضمن التقاليد أو العادات الخاصة بمجموعة معينة كالريفيين أو الحضر أو البدو، وتتضمن أنماط السلوك والتقاليد والمهارات التي تتميز بها الطبقة أو المهنة عند معظم أفراد المجتمع الذي يعيشون فيه وينتمون إليه.

3. المتغيرات أو البدائل: Alternatives

هي تلك العناصر الثقافية التي نجدها لدى أفراد معينين، ولا تعرفها الفئات الأخرى في المجتمع، بل لا تكون سائدة بين طبقات لها تنظيم اجتماعي معين أي أن هذه العناصر ليست من العموميات بحيث يشترك فيها أفراد طبقة معينة أو أفراد مهنة أو حرفة.

وهذه العناصر تتضمن مجالاً واسعاً مختلفاً عن الأفكار والعادات والأنماط السلوكية وطرق التفكير، وهذه المتغيرات تظل حائرة على سطح الثقافة حتى تتحول إلى خصوصيات وعموميات فتثبت وتستقر.


ثانياً: خصائص الثقافة:

1.    الثقافة([11]) إنسانية: ويعني هذا أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك الثقافة.

2.  الثقافة المكتسبة: يكتسب الإنسان ثقافته من مجتمعه منذ مولده عن طريق الخبرة الشخصية، وتتم عملية الاكتساب للثقافة أيضاً عن طريق التعلم والممارسة والتنشئة الاجتماعية.

3.  الثقافة نظام متكامل: إذ تشتمل على نسق من التفاعلات التي تقوم بين عناصرها الروحية والمادية، فالتكامل يتحقق في إطار القيم، والمعايير، واتجاهات وأنماط السلوك القائمة التي تتكامل في مناحي ثقافية متمايزة.

4.  الثقافة تراكمية: أي أنها تنمو بشكل دائم، ويضاف إليها عن طريق مساهمة الأجيال المتلاحقة، ولذلك فإن خاصة التراكم الثقافي هذه تؤدي إلى تطور الحياة الثقافية وإلى اتساع قدرات الإنسان في السيطرة على المحيط الذي يعيش فيه.

5.    الثقافة([12]) اجتماعية: أي تختص بالمجتمع دون الأفراد.

6.  الثقافة متنوعة المضمون: قد تختلف الثقافات بمضمونها بدرجة كبيرة تصل إلى حد التناقض في بعض الأحيان، فهناك مجتمعات تُبيع نظام التعدد في الزواج، ومجتمعات أخرى تعتبر هذه العملية جريمة يعاقب عليها القانون.

7.  الثقافة متغيرة ومتصلة: تتغير ثقافات المجتمعات من وقت لآخر، وهو جزء من موضوع كتابي، حيث الثقافة تكون خاصة بالمجتمعات التي تشملها عملية التغير الاجتماعي، فقد يسير التغير ببطء شديد، وذلك لعزلة المجتمع وصغره وجموده وقد يحدث التغير بسرعة كبيرة نتيجة انفتاح المجتمع وتوفر الحوافز فيه، وقد يتغير المجتمع بصورة معتدلة، كما هي الحال في المجتمعات الزراعية في آسيا وأفريقيا وأوروبا.


ثالثاً: وظائف الثقافة:

الإنسان، يكيف ما حوله بإرادة الله تعالى، وبما أعطاه الله إياه من قدرات وإمكانيات تسهل له عملية التكيّف، والتغيير الذي لابد له من شروط سأتكلم عنها في موضعها المناسب من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

فمن([13]) وظائف الثقافة:

1.    تمد الأفراد بمجموعة من الأنماط السلوكية: لتحقيق حاجاتهم البيولوجية وضمان استقرارهم.

2.    تتيح للأفراد التعاون: من خلال مجموعة من القوانين والنظم.

3.    تساعد الأفراد على تحقيق التكيف: والتفاعل وتحقق لهم الوحدة الثقافية والتجانس.

4.    تؤدي إلى ظهور حاجات جديدة: وتبدع وسائل إشباع هذه الاحتياجات كالاهتمامات الثقافية والجمالية والدينية.

5.    تمكن الإنسان من التنبؤ بالأحداث المتوقعة: والمواقف الاجتماعية المحتملة، ومن التنبؤ بسلوك الآخرين في مواقف متعددة.

ويشير على وطفة في كتابه (علم الاجتماع التربوي)، إلى قول ما لينوفسكي في هذا الصدد: “إن الثقافة تلبي نظام متكامل من احتياجات الإنسان البيولوجية، والروحية، وتضمن له غطاء وظيفي يسعى إلى حماية الإنسان من المخاطر والكوارث الطبيعية والبيئية”.

ويستطرد مالينوفسكي في موضع آخر بالقول: “أن الثقافة هي أداة الإنسان في حل مشكلاته الحياتية، التي يواجهها في إطار البيئة”.

وفي الحقيقة أود هنا الإشارة إلى بعض ما يقع به المؤلفين من نقل عبارات لا توافق ديننا ولا قيمنا وعاداتنا الإسلامية، عن مؤلفين ملاحدة مثل (مالينوفسكي) والمقولة السابقة، في اعتبار أن الثقافة هي التي تسيّر حياة الناس وتمدهم بالدين وبالرعاية والحماية خصوصاً أنهم يؤمنون بأن الثقافة مكتسبة من البشر، بينما الحقيقة أن الدين وما يمثله من جوانب روحية من الخالق تبارك وتعالى، وحتى الشريعة التي تسيّر حياة الناس وتنظم شئونهم هي من عند الله تعالى، فهنا اقتضى التنويه فقط.


رابعاً: ([14])الفرق بين الحضارة Civilization والثقافة Culture:

ظهرت كلمة الحضارة Civilization، في القرن الثامن عشر كمفهوم للمقابلة بين الرجل المتحضر والرجل البربري، ويغطي هذا المفهوم دلالة التقدم المادي الواسع الذي حققته بلدان أوروبا الغربية.

وتشتق([15]) كلمة الثقافة في الإنكليزية (Culture) من الكلمة اللاتينية (Cultural) وتعني الفلاحة والتهذيب، أما الكلمة العربية، فهي تأتي من ثقِف بمعنى حذق وفطن.

وقد اختلطت([16]) كلمة (حضارة) مع كلمة (ثقافة)، في كثير من الأحيان، وعند عدد كبير من علماء الاجتماع، وبات التمييز بينهما صعباً دقيقاً، ولكن أصبح هناك شبه اتفاق على تحديد كل من الكلمتين، فكلمة (حضارة) أخذت تطلق على مظاهر الحياة المتقدمة والمتطورة في المجتمعات الغنية (الآلات، والخبرة في ميدان الإنتاج، الثروة المادية)، أما (الثقافة) فأصبحت تطلق على مظاهر الحياة الروحية والفكرية في كل مجتمع متقدماً كان أم متأخراً.

كما أشار (وطفه) أنه غالباً ما يميل المفكرون إلى التمييز بين المفهومين على النحو التالي:

1.    الثقـافة: الجانب الروحي في حياة الإنسان كالأفكار والأساطير والدين والفن والآداب.

2.    والحضارة: الجانب المادي، والتي يشار إليها بالمنجزات المادية للإنسان، كالتكنولوجيا والعلم، والمنشآت المادية.

بعض الكتب التي أشارت إلى موضوع التغير:

هناك الكثير من الكتب التي تناولت موضوع التغير الاجتماعي، ونظرياته، حتى أن أكثر الكتابات السوسيولوجية الحديثة تقول إن علماء الاجتماع لا يعانون من قلة التأليف والنظريات في التغير الاجتماعي بل يعانون من كثرتها وتعددها حتى قال: “إليكس أنجلز”: “تؤكد كثير من الكتابات الحديثة أن علماء الاجتماع يفتقدون نظرية شاملة متكاملة في التغير الاجتماعي”.

1.  أشار (الرشدان، عبدالله (1999م)) في حديثه عن التغير الاجتماعي، أن المفكرون الاجتماعيون، حاولوا تفسير التغير الاجتماعي، وانتهى الكثيرون منهم إلى تفسير ظاهرة التغير في ضوء عامل واحد تكنولوجي أو فكري أو جغرافي أو اقتصادي، غير أن تلك النظرة فيها تبسيط زائد لظاهرة اجتماعية متشابكة العناصر متفاعلة المكونات ومن ثم ينبغي لفهم حقيقة هذه الظاهرة إقامة التفسير على نظرة كلية شاملة تأخذ في الاختبار جميع العوامل التي تدفع التغير وتوجهه، كما ذكر نظريات أطلق عليها أحادية الاتجاه كنظرية أوغستاكونت في المراحل الثلاث اللاهوتية، والفلسفية والعلمية الوضعية أو نظرية هربرت سبنسر عن التقدم الاجتماعي التي تسير في وفاق وإنسجاب مع نظرية التطور الكوني والبيولوجي والنظريات الدائرية، كنظرية بن خلدون في الدولة، وفيكو وأرنولد توينبي، كما ذكر النظريات التي تتعلق بعوامل التغير، والتي ميز منها أدواراً حاسمة في بعض العوامل، مثل العامل الاقتصادي لكارل ماركس، والعامل الفكري والأيديولوجي لكونت دفيبر، أو العامل الإيكولوجي لابن خلدون والعامل التكنولوجي لثورسين.

2.  وقال (ثابت، ناصر (1993م))، أن التغير حقيقة واقعة في كل المجتمعات، لكنها تختلف من حيث درجة التغير فحسب، وأن التباين في تفسير التغير الاجتماعي يرتبط ارتباطاً وثيقاً باختلاف عوامل التغير في مجتمع عنها في مجتمع آخر، كما ذر أنه يكاد يكون من المتفق عليه في أغلب الأحيان، أن التغير يحدث بسرعة أكبر في ميادين التكنولوجيا والثقافة المادية منها، في ميدان الثقافة.

3.  وذكر (المصراني، عبدالله (2003م))، أن للتراكم عوامل عدة منها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي والعلمي والتقني، وظهور مكتشفات حديثة وانتشار الاتصالات، وظهور القرية العالمية الواحدة والذي أنتج بدور العولمة ما هو إلا ضرب من ضروب التغير الاجتماعي الحادث في المجتمعات الإنسانية.

الفصل الثـاني

أولاً: التغير الثقافي والتغير الاجتماعي:

إن كل الثقافات في تغير مستمر، ولكن سرعة التغير الاجتماعي والثقافي، ونطاقه واتجاهه تختلف من مجتمع إلى آخر.

ويعني التغير الاجتماعي: التغير أو الاختلاف الذي يطرأ على البناء الاجتماعي، والعلاقات الاجتماعية في المجتمع. مثل: “التغير الذي يطرأ على توزيع فئات السن في المجتمع، ومتوسط تحصيل الفرد التعليمي ومعدلات المواليد والوفيات، والتغير في نمط العلاقات بين الأفراد مثل تغير نمط العلاقات من علاقات شخصية غير رسمية إلى علاقات رسمية، وكذلك التغير في نمط العلاقات بين العمال وأصحاب العمل، والتغير في الوضع الاجتماعي للمرأة والعلاقات الأسرية.

أما التغير الثقافي، فيعني التغير في العناصر الثقافية المادية واللامادية مثل المبتكرات والمخترعات الحديثة أو إضافة كلمات جديدة للغة أو تعديل لنظرية أو أسلوب أو طريقة التدريس أو الإنتاج.

هذا([17]) ولا يمكن الفصل بين المصطلحين بدقة لتداخلهما، لذلك فقد يستخدم أحد المصطلحين بدلاً عن الآخر، فتغير وضع المرأة ودورها الاجتماعي تطلب في نفس الوقت تغيراً في مجموعة المعايير المحددة لدور المرأة والقيم المرتبطة بتعليمها وعملها، ونتج عنه تغير في اللوائح والتشريعات المنظمة لعمل المرأة وحمايتها.

وأما بالنسبة للتغير الذي يحصل لكليهما فإنه متعلق بالمرونة الخاصة لكل مجتمع أو ثقافة، ولهذا قيل([18]): “الثقافة المرنة هي أكثر الثقافات قدرة على الاستمرار والتواصل”.

كما قيل أن من عوائق التغير الاجتماعي([19]) الجمود والرغبة في الحفاظ على القديم، ومقال ذلك ما حدث للثقافة الإسبرطية بالقياس إلى الثقافة في أثينا، فلقد قدّر للأولى أن تندثر، لأنها كانت متصلبة، وعلى خلاف ذلك، قدر لثقافة أثنيا أن تعيش وتستمر في تأثيرها، كانعكاس طبيعي لمدى المرونة التي امتازت بها.

ثانياً: عوامل التغير الاجتماعي بين الاجتماعيين والنظرة الإسلامية:

ينظر علماء الاجتماع إلى أن هناك عوامل تؤدي إلى التغير وتحث عليه، فالغالب منهم يميل إلى أن إحداث التغير الاجتماعي في المجتمعات، يكون من جانب عامل واحد، ويعتبر هذا العامل حاسم في عملية التغير التي تحدث للمجتمع، ويرى البعض أن التغير الاجتماعي يكون بعدة عوامل مجتمعه، حيث تقوم هذه العوامل بعملية التغير في المجتمع، والذي أراه بالنسبة للنظرة الإسلامية من التغير الاجتماعي أن التغير حدث بعامل واحد في المجتمع الإسلامي، وهذا العامل هو العامل الروحي أي (الدين الإسلامي)، والذي سأتكلم عنه في مكانه، وأما بالنسبة لأهم العوامل في عملية التغير الاجتماعي فهي:

1.  العامل البيئي[20] أو الايكولوجي: وهو ما يطرأ على البيئة الطبيعية من تغير ومدى انعكاسه في الأنشطة الاجتماعية وظواهر المجتمع، وتشير الدراسات الجغرافية والاجتماعية والأنثروبولوجية إلى وجود علاقة وثيقة بين التغيرات الجغرافية البيئية وبين التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومن الأمثلة على ذلك التغيرات المناخية في بعض المناطق وما تحدثه من آثار نتيجة انقطاع الأمطار وجفاف الأراضي وما يتبعه من هجرات سكانية إلى مناطق أخرى تؤثر على نوع العمل ووسائل الإنتاج. وأهم من يمثل هذه المدرسة الجغرافية([21]) في فرنسا مونتسكيو، ديمولن، وايدموند. وفي ألمانيا وياكل، وفي أمريكا وهنتنجتن، وقد سبقهم ابن خلدون في مقدمته المشهورة حينما تعرض لأثر المناخ على أمزجة الناس وأخلاقهم.

2.  العامل الديمغرافي أو السكاني: ويقصد بها التغيرات التي تطرأ على السكان، ويترتب عليها بالتالي تغييرات جذرية. ومن نماذج التغيرات السكانية والتي تؤدي إلى تغير اجتماعي، التغييرات التي تطرأ على الكثافة السكانية، فالزيادة([22]) السريعة في عدد السكان أو نقصها عن طريق زيادة المواليد أو نقصها، كما أن الهجرات الداخلية والخارجية كلها تؤدي إلى تغيرات مادية وفكرية واجتماعية واقتصادية، وخصوصاً الهجرة الخارجية بصفة خاصة تحدث تأثيراً على التركيب الإثنوجرافي لبعض الدول المستقبلة، وجدير بالذكر أن الهجرة الخارجية تعد من أهم عوامل الانتشار الحضاري، والهجرة([23]) تعتبر شكلاً من أشكال الحراك الجغرافي.

3.  العامل التكنولوجي أو الاقتصادي: لقد أظهرت الدراسات والأبحاث السوسيولوجية أن التكنولوجيا تلعب دوراً هاماً في إحداث التغير الاجتماعي، وإن التغيرات التكنولوجية تنعكس بصورة واضحة على البناء الاجتماعي، ويلاحظ أن لكل اختراع علمي آثاراً اجتماعية خطيرة بعيدة المدى في ميادين الحياة الإنسانية، وفي سلوك الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية، فقد أدى التصنيع مثلاً إلى الضخامة في الإنتاج وإلى التخصص الشديد، وإلى تركيز القوة في المدن، وإلى تعقيد العلاقات الاجتماعية وانهيار قيم وظهور قيم جديدة، فمثلاً([24]) يتغير مركز الزوج أو الزوجة تبعاً لتغير الأساس الاقتصادي للأسرة، بعد اشتغال المرأة، كما تصبح الحياة الأسرية حاوية لقيم جديدة مثل ارتفاع نسبة الطلاق وتتجه الأسرة لتحديد النسل – وأما العامل الاقتصادي: فيذهب فريق من المفكرين الاجتماعيين وعلى رأسهم كارل ماركس إلى أن العامل الاقتصادي هو العامل الحاسم في التغيير، وقد وضع نظرية في تطور المجتمعات ترى أن طريقة الإنتاج في الحياة المادية هي التي تحدد الصفة العامة لأسلوب الحياة من النواحي الاجتماعية والسياسية والروحية، وتشير الدراسات التاريخية والثقافية المقارنة التي أجريت على العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع
إلى أن الأنشطة الاقتصادية لها أهمية في الحياة الاجتماعية،
ولكن ليست هي الحاسمة في تغير المجتمع، ولقد جانب (واث([25])) الصواب عندما لجأ إلى الاتجاه المادي في تفسير الكثير من الظواهر في المجتمع، بما فيها الظاهرة الدينية، فهو يرى أن وراء كل حركة دينية تكمن
تغيرات اقتصادية، وطبق ذلك على المجتمع الإسلامي
في كتابه “Islam And Integration of Society Londen”، حيث حلل الأوضاع الاقتصادية والتغيرات التي حدثت في وسائل الإنتاج قبل ظهور الإسلام، ورأيي أن هذه التغيرات هي التي أدت إلى ظهور الإسلام، وتتبع التغيرات الاقتصادية التي ظهرت في مكة والتحول من حياة الرعي والترحال إلى التجارة وما نتج عنه من ضعف التماسك داخل الجماعات سواء كانت قبيلة Tribe أو بطني Clan أو داخل الأسرة، كما فسر دخول الأنصار في المدينة في الإسلام إلى عوامل اقتصادية تتمثل في الانتقال من حالة الرعي إلى مرحلة الزراعة المستقرة، مع وجود تجارة بسيطة تقدم على تبادل السلع الغذائية مقارنة بالوضع التجاري المرموق لمكة في ذلك الحين… ومعنى ذلك أن التغير في وسائل الإنتاج في الجزيرة العربية أفرز في رأيه (الضال) الديانة الإسلامية، وإن النتائج الاقتصادية للحركات الدينية ثانوية وليست أساسية.

وقد جانب وات (Watt) الصواب من وجوه عدة في تفسيره للدين من الجانب المادي وذلك أن التجارة عرفها العرب قبل الإسلام بزمن طويل (رحلة الشتاء والصيف)([26]) والرحلتان هما رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام وذلك للاتجار وجلب الأرزاق إلى بلادهم التي ليست هي بذات زرع ولا صناعة، فإيلافهم هاتين الرحلتين كان بتدبير الله تعالى ليعيش سكان حرمه وبلده في رغد من العيش فهي من نعم الله تعالى.

كما أن نصرة الإسلام من أهل المدينة كان مصدره الإيمان واليقين على الله الذي ملأ القلوب وعمّ الأنفس وإتباع المنهج الحق، وليس لعوامل اقتصادية كما يزعم (Watt)، كما أن النتائج الاقتصادية التي أفرزها الإسلام أساسية إلى حد بعيد، ودعامتها العدالة والتكافل الاجتماعي في توزيع الثروة([27]).

4. العامل الفكري والفلسفي: مما لا شك فيه أن لكل أيديولوجية جديدة أو اتجاه فلسفي جديد أهدافه وغاياته، وهذه تشكل إلى حد كبير أساليب الفكر وقوالب العمل والسلوك، مما يؤدي إلى تغيرات في النظم والأوضاع القائمة، فكل تغيير في الأصول الفكرية والمذهبية لابد أن يتردد صداه في النظم الاجتماعية، والتاريخ حافل بحركات فكرية كثيرة أحدثت تغيرات عميقة في النظم الاجتماعية والإنسانية، فمثلاً الديانات السماوية، والثورات السياسية كالثورة الإنكليزية، والفرنسية، والأمريكية والروسية والمصرية وغيرها.

كما([28]) تكاد ترتبط درجة التغير الاجتماعي وسرعته في مجتمع ما بمقدار ما يتوفر فيه الحراك الاجتماعي، ففي المجتمعات التي تتمتع بنظام طبقي صارم نجد أن التغير محدود وعلى العكس تماماً إذا ما كان الفرد في المجتمع يتمتع بقدرة على الحراك الاجتماعي والتنقل بين الطبقات الاجتماعية.

5. الاحتكاك والانتشار الثقافي: إن اتصال الثقافات المختلفة واحتكاكها مع بعضها البعض، يؤدي إلى انتقال الكثير من العناصر الثقافية وبالتالي يؤدي إلى إحداث تغيرات كبيرة في الحياة الاجتماعية، وقد تتم هذه الاتصالات بين الشعوب بالأساليب السلمية المختلفة، وقد تتم عن طريق الحروف، ففي العصور الوسطى أدت الحروب الصليبية بين الغرب الأوروبي والشرق الإسلامي إلى كثير من المتغيرات الثقافية لدى الشعوب الأوروبية، وهذا النوع من الانتشار الثقافي والذي تنتقل فيه العناصر الثقافية من ثقافة إلى أخرى يسمى باسم Intersociety diffusion ، على أن هناك انتشار آخر يسمى باسم Intersociety diffusion وهو انتقال العناصر الثقافية من فرد إلى آخر داخل المجتمع الواحد.

6. السياق الثقافي العام: بالإضافة إلى ما تقدم من عوامل، أضاف العالم (ميرل) عوامل أخرى تكمن في السياق الثقافي العام، والذي يحدد كثيراً من خصائص الثقافة في مجتمع من المجتمعات، فالسياق الثقافي العام أو النمط العام لثقافة أورنتا الاسترالية تركز على الاحتفالات الخاصة بالطقوس الاجتماعية لهم، إذ يمضون معظم أوقاتهم في احتفالات وأعياد لا تنتهي، يرقصون ويغنون ويمارسون طقوس غامضة، في حين أن النمط العام في الثقافة الأمريكية يتجه نحو الإنتاج والكسب المادي، وتشجيع المخترعين على ابتكار المزيد من المخترعات المادية والاجتماعية بشتى الوسائل والمغريات وهناك بعض العوامل الأخرى التي تسهم في إحداث التغير الاجتماعي في حياة المجتمعات، وأنظمتها الاجتماعية، كاعتماد الأسلوب العلمي، والعامل النفسي في الشخصية الإنسانية، وظهور العباقرة والموهوبين في المجتمع. وهذه هي جملة العوامل التي أوردها علماء الاجتماع والتي تؤدي إلى إحداث التغير الاجتماعي في المجتمعات.

أما العامل الحاسم بالنسبة للنظرة الإسلامية في التغير الاجتماعي فهو: عامل الدين السماوي، المنزل من عند الله تعالى، وعليه يكون التغير الاجتماعي منذ خلق الله تعالى الإنسان فهو يختلف من قوم إلى قوم بحسب اختلاف شرائعهم وأزمانهم وأحوال المكلفين فيهم، ويتبع ذلك الاختلاف –أي الاختلاف في الشرائع- الاختلاف في النظم الاجتماعية السائدة في كل مجتمع، فمثلاً العامل الديني السماوي يتكون من عقيدة وشريعة، فأما العقيدة فواحدة لجميع الأنبياء لأنها تدعو إلى أصول الدين من التوحيد بالله تعالى والتمسك بأركان الإيمان، وأما الشريعة والتي تختلف من أمة لأمة والتي يكون فيها التغير الاجتماعي في أحوال الناس وشروط تكليفهم، واختلاف النظم في المجتمع، فإنها لا تكون واحدة لكل أمة من الأمم التي بعث الله تعالى إليها الأنبياء في العصور المختلفة، فثملاً إليك الدليل على اختلاف بعض الشرائع.


نماذج لبعض الاختلافات في الشرائع السماوية([29]):

1.  عقوبة السرقة: كانت على عهد إسرائيل (يعقوب) عليه السلام وأبنائه أن السارق يصبح رقيقاً بسبب سرقته، فيسترقه المسروق منه، ولذا جعل يوسف عليه السلام السقاية في رحل أخيه ليستبقيه عنده، وقد أجابه أخوته بما حكاه الله سبحانه وتعالى عنهم: {قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} ([30]).

ولكن عقوبة السارق في شريعتنا الإسلامية هي قطع اليد، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: “إنما هلك الذين من قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.

2.  الصوم: فقد كانت الأمم السابقة تمسك في صيامها من بعد صلاة العشاء إلى غروب الشمس من اليوم الثاني، فيباح لهم الطعام والشراب والنكاح فيما بين غروب الشمس إلى حين دخول صلاة العشاء، ما لم ينم الشخص، فلو نام بين المغرب والعشاء حرم عليه الأكل والشرب، ولو كان ذلك قبل العشاء، وقد صام النبيّ صلى الله عليه وسلم أول الأمر على هذا النحو، ثم خفف الله تعالى عنه عبادة، ورفع ذلك عنهم، فأصبح الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

3.  الصلاة: في الأمم السابقة كانت تستلزم محراباً، فلا تصح الصلاة في غير المسجد، أما في شريعة محمد –صلى الله عليه وسلم- فإنها تصح في كل مكان إلا بين القبول أو في الأماكن النجسة، فقد قال النبيّ –صلى الله عليه وسلم- “أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي”، فذكر منها: “جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل”.

وتبعاً لاختلاف الشرائع التابعة للعامل الديني يكون التغير الاجتماعي والذي ذكرنا سابقاً أنه لابد له من موافقة سنة التغير التي جعلها الله تعالى من السنن الإلهية في الأرض، فخذ على سبيل المثال أن الله تعالى أرسل أنبياء إلى بني إسرائيل من اليهود، فكذب اليهود الأنبياء وقتلوهم، ولزم لذلك أن يغير الله تعالى عليهم أحوالهم وطرق عيشهم، فقال تعالى في القرآن: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً}([31])، وقال تعالى: أيضاً على التشديد الذي مارسه على اليهود جراء ظلمهم وعدوانهم، {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ}([32]).

إذاً أقول أن هناك من السنن الإلهية سنة التغير في الكون، وهناك دين سماوي منزل من الله تعالى، فإذا اتبع الناس منهج الله تعالى والتزموا به فالله تعالى يخفف عنهم، ويبدل أحوالهم إلى الأفضل والأحسن، كما كان لقوم يونس عليه السلام فقد قال أهل التفسير([33]) “بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل (نينوي) من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله عز وجل، فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال عليه الأمر، خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث، فلما تحققوا نزول العذاب بهم، قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة، وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم فلبسوا المسوح، وفرقوا بين كل بيهمة وولدها، ثم عجوا إلى الله تعالى، وصرخوا تضرعوا إليه، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات، وجأرت الأنعام والدواب والمواشي، وكانت ساعة عظيمة هائلة، فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته، عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم سببه، ودار على رؤوسهم كقطع الليل المظلم.

فقال عنهم تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا}([34]). يقصد بذلك قوم يونس عليه السلام، وقال في آيات أخرى: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} ([35]).

وأما إذا خالف القوم منهج الله تعالى وجعلوا له معوقات للحيلولة دون التغير الذي أراد، فإن الله تعالى يغير أحوالهم من النعمة إلى النقمة ومن النعيم إلى العذاب، كما كان من قوم سبأ، وكيف أن الله تعالى أنعم عليهم بنعم عظيمة، وجنات وفيرة عين يمين وشمال كلها فواكه وخضر، تسقى بماء سد مأرب، وأن قوم سبأ لم يشكروا هذه النعمة وخالفوا منهج الله تعالى، وبطروا حتى قالوا ربنا باعد بين أسفارنا فأرسل الله عليهم سيل العرم ودمرهم وفرق جمعهم وذهبوا أشتاتاً في الأرض، حتى كانوا أحاديث للناس، ومضرب للأمثال، فقيل فيهم([36]) “ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيدي سبأ”.

وهكذا تكون النظرة الإسلامية للتغير الاجتماعي، حيث يكون العامل الحاسم فيها هو عامل (الدين السماوي) بشريعته لا بعقيدته، كما أن الرغبة في الإتباع لهذا الدن من جانب من أرسل إليهم تلعب دوراً كبيراً في التغير الاجتماعي وهذا يوافق سنة التغير التي أجراها الله تعالى: في كونه وبين مخلوقاته.


كما أن هناك عوائق للتغير الاجتماعي:

يولي علماء الاجتماع الاهتمام بدراسة عوائق التغير الاجتماعي لما لها من الأهمية في ميدانه، بعكس علماء التاريخ الذين لا يعيدونها التفاتاً كبيراً نظراً للفترة الزمنية الطويلة التي يؤرخون لها، ففي كثير من الظروف والأحوال تقف بعض العقبات والمعوقات في طريق التغير الاجتماعي، مما يؤدي إلى ركوده، وبطء تقدمه لفترات قد تطول أو تقصر.

ثالثاً: أهم معوقات([37]) التغير الاجتماعي:

1. العزلة الاجتماعية: تعيش بعض المجتمعات الإنسانية في عزلة عن بقية المجتمعات الأخرى نتيجة الموقع الجغرافي الذي تحتله، أو القيود الذي يفرضها المجتمع نفسه في تعامله مع المجتمعات الأخرى، أو لسبب العزل الذي تقوم به القوى الاستعمارية على الشعوب مما يؤدي إلى تحلقه وركوده، وصعوبة قبوله للتغيرات الجديدة.

2.  عدم التكامل والتجانس في تركيب المجتمع: تتكون المجتمعات من أعداد كبيرة وجماعات كثيرة ذات أهواء، ومصالح متضاربة، وقد يضم المجتمع مجموعات عنصرية لم تنصهر، أو طبقات متعدية متصارعة عميقة التناقضات الاجتماعية، مما يؤدي إلى انقسام المجتمع بصدد قضايا الإصلاح والتغير، فهناك فئات تؤيده وأخرى تعارضه وتعاديه، مما يؤدي إلى تعطيل قوى الانطلاق والتغير في المجتمع.

3.  الرغبة في الحفاظ على القديم والخوف من التغير: كثيراً ما تقف القوى المحافظة والرجعية السلبية في وجه التغيير، وهذا أيضاً ما كان من الكفار على امتداد التاريخ، فالكفار لا يرغبون بدين جديد وإنما يريدون المحافظة على عبادة آبائهم وأجدادهم وهذا مخالف للتغير وقد قال تعالى في شأنهم: {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}([38]).

كما أن التغيرات الاجتماعية الحديثة تواجه مقاومة عنيفة، من أمثال من يرفضون الأخذ بالجديد خوفاً على امتيازاتهم وحقوقهم القديمة فننظر أوضح مثال على ذلك([39]): “ما كان من عبدالله بن أبي بن أبي سلول الذي كان يحنق على الإسلام والمسلمين، ولا سيما على رسول الله صلى الله عليه وسلم حنقاً شديداً، لأن الأوس والخزرج كانوا قد اتفقوا على سيادته، وكانوا ينظمون له الخرز ليتوجوه ملكاً عليهم، إذ دخل فيهم الإسلام، فصرفهم عن عبدالله ابن أبي، فكان يرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هو الذي سلبه ملكه، ولذلك كان يعادي الإسلام ويحاول أن يمكر به وإن أظهر الإسلام أمام المسلمين وتزلف لهم، لكنهم كانوا يعلمون أنه كبير المنافقين في المدينة المنورة”.

4.  ركود حركة الاختراع: تقف في وجه ظهور الاختراعات الجديدة في المجتمع عوامل متعددة، منها عدم توفر المواد الخام اللازمة للاختراع، عدم الحاجة إلى الاختراع، وتقف الإمكانيات المادية، وتخلف البيئة الثقافية وعدم تقدير الباحثين وتشجيعهم وتحفيزهم إلى الاختراع مما يؤدي إلى الجمود والتخلف وندرة المخترعات، وقد حدد (ويليان إجبرن) أربعة عناصر لازمة لظهور المخترعات. وهذه العناصر هي: الحاجة إلى الاختراع، ووجود أساس ثقافي ملائم، وتوفر القدرات العقلية الخاصة، وعدم وقوف التقاليد في وجه الاختراع.


رابعاً: أنواع التغير الاجتماعي في المجتمعات:

يتفق معظم علماء الاجتماع على الأنواع الثلاثة التالية من التغير الاجتماعي([40]):

أولاً: التغير الخطي المستقيم:

ويكون الاتجاه خطياً مستقيماً في المجتمع، ويرى أصحاب هذا الرأي وعلى رأسهم كوندورسيه، وسان سيمون، وجيزو، أنه التغير الخطي المستقيم يتخذ صورتين:

1.  تغير تراجعي مرت فيه المجتمعات البشرية في مرحلتين: الأولى سميت بالعصر الذهبي، وعاش فيها الإنسان بكل مظاهر السعادة والرخاء، ثم بدأ عصر جديد تخلف فيه المجتمع، وأصابه التأخر والانحلال، وقد اعتمد أصحاب هذا الرأي على الديانة اليهودية، وما ورد في التوراة عن أصل الخليقة، ويرى فريق من الإغريق أن المجتمع يتغير، ولكنه في تغيره يخرج من العصر الذهبي إلى العصر الحديدي، ويزداد عدد المعتنقين لفكرة التغير التراجعي حينما تحدث الأزمات السياسية والاقتصادية، والاضطرابات الداخلية وتقوم الانقلابات والثورات الرجعية وفي رأيي أن التفاسير السابقة للتغير إنما تعتمد بصورة كبيرة على الأيديولوجيات الخاصة بهم، فلو نظرنا إلى الإغريق فهم يعتزون بحضارتهم السابقة ويمجدونها وتعتبر عندهم كالمؤسس الذي أمد الخليقة بالعلم والفلسفة أعطاه التصور عن الحياة والوجود والإنسان، وكذلك النظرة الأولى والتي ترجع الفترة الأولى التي عاشها الإنسان برخاء وسعادة فلا ريب أنها تعتمد على الفكر اليهودي كما ذكرنا سابقاً.

2.  تغير تقدمي ارتقائي: يربط أصحابه بين التقدم والتغير، وأساس نظرتهم أن المجتمعات تبدأ بسيطة ثم تأخذ في النمو إلى أن تستكمل جميع عناصرها ومقوماتها كما هو الحال في التغيرات التي تحدث في تطور العلوم والتكنولوجيا والمخترعات.

ثانياً: التغير الدائري:

ويرى أصحاب هذا الرأي أن المجتمع الإنساني يمر في تطوره، بالمراحل نفسها التي يمر بها الإنسان في نموه من الميلاد إلى الطفولة، إلى البلوغ، إلى النضج والاكتمال، إلى الشيخوخة فالموت، ويعود المجتمع من حيث بدأ([41]) وكل مرحلة من هذه المراحل تقع في أربعين سنة.

كما أن المجتمع في هذه المرحلة إذا انتهى منها، فإنه يعود من حيث بدأ، ويؤيدون نظرهم بما حدث للإمبراطوريات الكبرى في التاريخ، مثل (المصرية، واليونانية، والرومانية)، ومن أبرز علماء هذا الاتجاه ابن خلدون، وفيكو([42]).

ثالثاً: التغير المختلط أو المتذبذب:

وهذا النوع من التغير يأخذ شكل حركات ومظاهر صاعدة وهابطة، وبمعنى آخر هو اتجاه دوري وخطي من حيث النتيجة التي تستهدفها تلك العملية نفسها. وهذا ما يحدث في المجال الاقتصادي وحركات السكان، والأزياء، ومن أبرز زعماء هذا الاتجاه الفيلسوف هيجل([43]).

نظريات التغير الاجتماعي بين الاجتماعيين والإسلام:

أولاً: نظريات علماء الاجتماع:

هناك كثير من النظريات التي تفسر التغير الاجتماعي وتشرح طبيعته، وتحدد أبعاده، وتكشف اتجاهاته، ويذهب علماء الاجتماع مذاهب شتى في تصنيفهم لنظريات التغير([44]).

حتى صدق فيها القول: “إن الفكرة القائلة بأن علم الاجتماع يمكن أن يمدنا بنظري واحدة عن التغير الاجتماعي هي أسطورة”([45]).

1. التصنيف المنهجي لنظريات التغير:

فمن تصنيف([46]) علماء الاجتماع للنظريات الخاصة بالتغير:

النظريات التي تعالج العوامل أو الميكانزمات المؤدية إلى التغير، وفي هذا التصنيف يكون الرأي أن أغلب الاجتماعيين يرجعون التغير إلى عامل واحد فقط أو داخلي أو خارجي، وبناء على ذلك التصنيف صنفت النظريات إلى الفئات الستة التالية:

1.    النظرية التكنولوجية([47]): وتقول: أن أي تغير تكنولوجي ينتج بدرجة كافية، ينتج بعض التغيرات الاجتماعية الأخرى كنتائج تابعة له.

مثال: الأساليب الحديثة للمصانع قد أثرت في العلاقات الاجتماعية المصاحبة للصناعة.

وقد ارتبطت هذه النظرية خطأ بالماركسية، كما أنها انتشرت حديثاً، في مضمون ما تستخدم لتفسير النمو المتشابه بين المجتمعات الصناعية الاشتراكية وغير الاشتراكية.

لكن القبول لم يكن للنظرية وإنما كان لفروض “الهوة الثقافية” في محاولتها تفسير الكثير من ملامح المجتمعات الصناعية الحديثة مثل مظاهر القلق، الصراعات، أشكال الأمراض العقلية، الرغبات الفردية، في ضوء فشل التنظيم الاجتماعي أن يحفظ توازنه مع التغير التكنولوجي.

2.  النظرية الاقتصادية: تدين كثيراً لتأثير ماركس والماركسية، وتقول النظرية: إن التغيرات الاقتصادية في البناء السفلي للمجتمع هو المحرك الأول للتغير الاجتماعي، ويتكون البناء السفلي من قوى وعلاقات خاصة بالإنتاج، بينما يتكون البناء الفوقي من السمات الخاصة بالنسق الاجتماعي، مثل النظم السياسية والقضائية والدينية والتي تخدم وتدعم البناء السفلي. والذي تكونت بواسطته.

وأكد ماركس، أن التغيرات الاقتصادية أساسية، وأنها تأتي بتغيرات أخرى حولها لها مصالح اقتصادية.

ولقد نقدت نظرية ماركس نقداً مكثفاً نظراً لتجاهلها أو سوء تقديرها للأهمية المسببة للأفكار والعمليات السياسية العامة.

كما([48]) أن تجنب ماركس للحتمية التكنولوجية، لأن أي نظرية ربما تبدو أنها تحتفظ من خلال الفلسفة المادية للتاريخ، لأن التغيرات التكنولوجية بدأت كأفكار في عقول الأفراد، وليست جوهر مادي.

3. نظرية الصراع: في نظرية ماركس، نجد التغير الاقتصادي وحده يحدث وينتج التغيرات الأخرى من خلال ميكانيزم للصراع المكثف بين الجماعات الاجتماعية وبين الأجزاء المختلفة من النسق الاجتماعي.

ولقد أقترح علماء النظرية الاجتماعية حديثاً، أن الصراع بمضمونه الواسع، يجب أن يكون سبب التغير الاجتماعي، لا كما تقوله النظرية[49]: “بأن الصراع والإكراه أو القهر، والسلطة، والقوة والنفوذ جميعها متغيرات لها دور كبير في تمساك وتغير وانهيار وتكامل وبقاء المجتمعات”.

والنقد الموجه لها: “أن الصراع غير كافي لتقديم التغير في ظروف كثيرة، وقد لا يكون ضرورياً في بعضها”.

4.  نظرية اللاتكامل: هي قريبة أو وثيقة الصلة بنظرية الصراع، حيث تفسر التغير الاجتماعي في ضوء (المتغيرات والتنافرات) بين الأجزاء المختلفة للأنساق الاجتماعي.

وهناك مصادر كثيرة لعدم الأنساق أو المتغيرات والتنافرات خلال الأنساق الاجتماعية، وأكثر الأمثلة وضوحاً هو التوتر المحتمل بين الشخصية ومتطلباتها والتي تظهر من خلال النظم الاجتماعية.

ونقاط الضعف لهذه النظرية، أنها لم تفسر حقيقة لماذا يحدث التغير، بينما فسرت فقط لماذا يجب حدوثه؟

والمتغير الأساسي لنظرية اللاتكامل، أنها تفسر التغير في ضوء الضغوط المتصارعة أو متطلبات القطاعات المختلفة أو الثقافة. فبناءً على هذا الفرض، فإنه إذا حدثت أفعال في واحدة من هذه القطاعات، فإن واحدة أو أخرى يجب أن تغير.

كما أن المثال التاريخي غالباً ما يكون، أن النظم المتصارعة تؤدي إلى تغيرات راديكالية([50]) حيث أن صراع الكنيسة والدولة قد ساعد على تشجيع نمو المذهب البروتستانتي والعلوم، وكلاهما عمل على تقدم الاقتصاد الحر والتنمية السياسية.

5.  نظرية التكيف([51]): تقول هذه النظرية بأن الأنساق الاجتماعية ككل تكيّف نفسها مع الهيئات الخارجية، وبالطبع فإن لفظ (النسق) يستخدم هنا للإشارة إلى أية مجموعة من العمليات الاجتماعية المترابطة التي يكون فيها دليل واضح على التغذية المرجعية لتبرير افتراض وجود درجة من المحافظ على الذات وبهذا المعنى يمكن أن يكون النسق عائلة أو العائلة مجتمعاً محلياً أو تنظيماً أو نمطاً من التنظيم أو اقتصاد السوق المشتركة.

ونقطة الضعف في هذه النظرية: أنها تفترض أن أهداف نسق اجتماعي ما محددة بوضوح، ولكنها قد لا تكون كذلك، وقد يكون أحد الأسباب وراء ذلك هو أن النسق الاجتماعي يمكن عدداً من الأهداف المتعارضة.

6.  النظرية الفكرية: لقد لقيت هذه النظرية رفضاً واضحاً لمدة من الزمن بين علماء الاجتماع، وهذا الرفض يرجع إلى حد كبير لتأثير ماركس، وبشكل جزئي لتأثير مفسري دور كايم، وخصوصاً راد كليف براون.

ولقد رفض ماركس النظريات الفكرية عن التغير الاجتماعي أساساً، بسبب اعترافه بأن الكثير من هذه النظريات كانت تعكس ببساطة جهلاً بالعمليات الاجتماعية.

وكان([52]) ماركس يعترض في البداية على ذلك النوع من النظريات الذي يفسر، وجود السيادة والديمقراطية والبرلمانية، على أنها مجرد تجسيدات للمذهب، في حين أن ماركس يدعي أن النظم نشأت كنتيجة للتفاعلات الاجتماعية، التي تحكمها القوى الحقيقية.

§   ويمكن أن تتخذ أية نظرية فكرية من التغير الاجتماعي شكلاً من الأشكال الثلاثة التالية:

1)    أنها تستطيع أن تؤكد أن كل التغير الاجتماعي تغير فكري.

2)    يمكن أن تؤكد أن التغيرات الفكرية هي شروط لأنماط معينة من التغير الاجتماعي.

3)    يمكن أن تؤكد أن التغيرات الفكرية هي عناصر إسهام فعالة لكثير من أو كل أنماط التغير.

§  ومن([53]) المفكرين من يصنف نظريات التغير تصنيفاً بنائياً مبتعدين عن مصادر التغير واتجاهاته، نذكر من بين هؤلاء ويلبرت مور، الذي حاول في كتابه عن “التغير الاجتماعي” أن يصنف النظريات وفقاً إلى بعدين أساسيين:

أولهما: حجم الوحدات البنائية المتغيرة، فقد تكون الوحدة المتغيرة نظاماً اجتماعياً، أو مجموعة من العلاقات، أو مجتمعاً محلياً، أو مجتمعاً قومياً.

وثانيهما: مدى ما تحدثه التغيرات الاجتماعية من تأثير في المدى القصير أو الطويل.

ومن المفكرين من يصنف النظريات وفقاً لاتجاهات التغير فقط، نذكر من بين هؤلاء بوتومور وإليك انكليس، فقد ميز بوتومور بين النظريات الخطية Linear أي التي تقول بسير حركة المجتمع في خط، والنظريات الدائرية Cyclical أي التي تقول بسير حركة المجتمع في اتجاه دائري، وهو يرى أن نظريات كونت، برايتو، وسوروكن وتوينبي، وكذلك نظرية ابن خلدون من أهم النظريات الدائرية.

أما إليكس إنكليس فقد صنف النظريات التي تعالج اتجاهات التغير ضمن النموذج التطوري العام([54])، وقسمها إلى الأنواع الأربعة التالية:

‌أ-         النظريات أحادية الاتجاه.

‌ب-      النظريات الدائرية.

‌ج-       النظريات العالمية في التطور.

‌د-        نظرية التطور المتعدد الاتجاهات.

ومن المفكرين من يعرض لنظريات التغير دون أن يفصل بين النظريات التي تعالج اتجاهات التغير أو عوامله، نذكر من بين هؤلاء([55]) مارتنديل الذي عرض للنظريات التالية:

‌أ-         نظرية الزعامة الموهوبة.

‌ب-      النظرية العقلية.

‌ج-       نظرية التطور.

‌د-        النظرية الدائرية.

‌ه-        نظرية الانتشار.

‌و-        النظريات الحتمية.

2. النظريات التي تتعلق باتجاه التغير:

‌أ- النظريات الخطية (أحادية الاتجاه):

كان الاتجاه العام بين المفكرين الاجتماعيين منذ القرن السادس عشر هو النظر إلى التغير مقترناً بالتقدم. وقد عبر عن ذلك فرنسيس بيكون ورينيه ديكارت، وقالوا أن الإنسان يستطيع أن يحقق تقدماً لا حدود له بفضل جهوده الإرادية الواعية.

ثم حاول فونتينيل أن يضع أول نظرية متكاملة عن التقدم الاجتماعية فذهب إلى أن التراكم المستمر للمعرفة العلمية يهيئ السبيل أمام البشرية لتحقيق التقدم والنمو. وبعد فونتينيل حاول كثير من المفكرين أن يضعوا نظريات في التقدم الاجتماعي من أبرزهم.

§ نظرية أوغست كونت A. Conte:

يذهب كونت إلى أن الإنسانية تسير سيراً تلقائياً تقدمياً، والتقدم في نظره سير اجتماعي معروف الهدف، ويخضع هذا السير لقوانين ضرورية هي التي تحدد بالضبط مداه وسرعته.

ويستدل كونت على خضوع الإنسانية لظاهرة التقدم، الارتقاء المطرد بأنها مرت بثلاث مراحل هي:

§   الحياة الاجتماعية في العصور القديمة.

§   الحياة الاجتماعية في القرون الوسطى المسيحية.

§   ثم التنظيم الاجتماعي الذي قام غداة الثورة الفرنسية.

والتقدم الاجتماعي في نظر كونت مظهر من مظاهر التطور العقلي، وقوانينه مستمدة من قوانين تطور الفكر، التي تصور انتقال التفكير الإنساني من المرحلة اللاهوتية إلى المرحلة الفلسفية الميتافيزيقية ثم إلى المرحلة العلمية الوضعية.


مناقشة نظرية كونت (1798م – 1857م)([56]):

بما أننا مسلمون نتناول أفكار علماء غير مسلمين فلابد لنا أن نوضح ما يعيب ديننا من هذه النظريات. ويخالف ما نؤمن به ونعتقده، وعلى هذا الأساس فإن كلام كونت يكون في طور التفكير الديني – يمثل في نظره- مرحلة الطفولة للعقلية الإنسانية، على حين يمثل طور الفلسفة الميتافيزيقية مرحلة المراهقة، أما طور العلم التجريبي فيمثل مرحلة الكهولة والرشد، إذ ما عدا قضايا العلم الواقعي الحسي لا يعدو أن يكون خيالاً أو كلاماً في كلام.

ويعبر عن ذلك فيلسوف ألماني تأثر بـ “كونت” وهو “لودفيج فويرباخ” (1804م-1872م)، فيقول: “الله كان فكرتي الأولى.. والعقل كان فكرتي الثانية.. والإنسان – بمحيطه الواقعي – هو فكرتي الثالثة والأخيرة”.

([57])هذه النظرية التي ما زال يتمسك بها بعض الكتاب في ديارنا، ويرددون أن عهد الغيبيات قد انتهى، وطويت أعلامه، بعد أن قامت دولة العلم، وسقطت كل قضية لا يمكن اختبارها في المعمل!.

هذا مع أن المفكرين والنقاد في الغرب قد بينوا زيف هذه النظرية الوهمية وبطلانها، ومن أبرز الأدلة على بطلان هذه النظرية ما يلي:

أن كونت وأنصاره جعلوا من نظريته قانوناً يستوعب التاريخ كله شوط واحد قطعت الإنسانية ثلثيه بالفعل، ونفضت يدها منهما إلى غير رجعة، فلن تعود إليهما إلا أن يعود الكهل إلى شبابه وطفولته ولو أنهم جعلوا منه سلسلة دورية، كلما ختمت البشرية شوطاً، رجعت عوداً، لكان الخطأ في هذه النظرية أقل شفاعة، وربما كان “تاريخ المعرفة” في الغرب يؤيد ذلك.

فقد كانت معرفة الإنسان قبل تفلسف الإغريق ذات طابع ديني، ثم أصبحت على عهد “سقراط، وأفلاطون” عقلية ثم مالت بعد ذلك على عهد “أرسطو” إلى التجربة والواقع.

ثم ابتدأت تجربة أخرى من جديد فأعتبر الدين في القرون الوسطى مصدراً للمعرفة ثم جعل للعقل اعتباره بدلاً من الدين في عصر التنوير في القرن الثامن عشر، ثم قوي الميل إلى اعتبار المعرفة الحسية أو الوضعية وحدها دون العقل الدين معاً في القرن التاسع عشر.

هذه “دورة ثلاثية” لـ “اعتبار المعرفة” في تاريخ الإنسانية، فإذا كانت هذه الدورة الثلاثية قانون لا يتخلف للمعرفة، أو بالأحرى لاعتبار مصدر المعرفة، فالمنتظر –بناء على سير التاريخ- أنه يعود الاعتبار إلى الدين من جديد، بعد أن قويت موجة الواقعية أو الوضعية في القرن التاسع عشر، فتنكسر فتضعف، فيقل اعتبارها، وعندئذ يعود الاعتبار في المعرفة للدين وحده.

هذا هو منطق التاريخ الذي استخدمه “كونت” نفسه، ولكنه لم يستخدمه بإنصاف وتجرد وموضوعية كما هو منطق “العلمية” الذي ينادي به، بل كان في أكثره كما يقول “فندلبند” في كتابه “تاريخ الفلسفة”: يقوم على الهوى، وعدم المعرفة والحكم المغرض.

وهذا الذي ذكرناه مبني على افتراضنا التسليم بوجود أدوار تاريخية ثلاثة متعاقبة، والحقيقة أن هذه دعوى لم يقم عليها برهان صحيح، بل هي في اعتمادها على التاريخ تحرّف التاريخ، وفي إدعائها الاعتماد على الواقع تصادم الواقع.

وماذا يقول فيلسوف الوضعية “كونت” في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، وفيه نرى الدين والعقل والعلم، تنمو وتزدهر وترتقي كلها جنباً إلى جنب، فتجد الفقهاء والمفسرين والمحدثين والمتصوفة، وبجوارهم الفلاسفة والمتكلمين، وأيضاً العلماء من الأطباء والكيميائيين والفلكيين والفيزيائيين والرياضيين بل ربما تجد الشخص الواحد يجمع النواحي الثلاثة في شخصه، كما يتضح ذلك في سيرة ابن رشد([58])، صاحب “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” في الفقه الإسلامية المقارن وأكبر شارح لفلسفة “أرسطو” في تلك العصور، وصاحب كتاب “الكليات” في الطب.

فالواقع أن الحالات الثلاث التي صورها “كونت” لا تمثل أدواراً تاريخية متعاقبة، بل تمثل نزعات وتيارات متعاصرة في كل الشعوب، وليست متناقضة ولا متضادة بحيث إذا وجدت إحداها تنتفي الأخرى.

بل كما يقول الأستاذ “دراز” – نقلاً عن كتاب الدين في عصر العلم للقرضاوي – “إن هذه النزعات الثلاث متعاصرة متجاورة في نفس كل فرد”.

§ نظرية هربرت سبنسر: H. Spencer

وقد اختلطت فكرة التقدم عنده بفكرته عن التطور، فوضع نظرية عن التقدم الاجتماعي تسير في وفاق وانسجام مع نظرية التطور الكوني والبيولوجي، وفي رأيه أن التطور الاجتماعي جزء من عملية طبيعية تحدث في الكون وتشتمل على حركة تتجه من البسيط إلى المركب، ومن المتجانس إلى غير المتجانس تحت تأثير عمليتين هما: التكامل والتفكك([59])، وقد اتخذ سبنسر مثالاً من نظرية داروين على عملية التطور التي تحدث من البسيط إلى المركب إلى المعقد، فقال: “إن الحياة تبدأ بسيطة جداً في خلية واحدة، وهي “الأميبا” التي تقوم بجميع وظائف الحياة وتتطور الحياة حتى تصل إلى قمة التعقيد في الحيوان والإنسان”.

ولهذا كانت الفكرة الأساسية التي تدور حولها كتابات سبنسر عن التطور الاجتماعي هي ارتقاء جميع الظواهر الاجتماعية على أساس الانتقال من التجانس غير المتكامل إلى عدم التجانس المتكامل.


وتنقسم النظريات الدائرية إلى نوعين:

بعضها يفسر جانباً محدوداً من جوانب الحياة الاجتماعية أو يشرح ظاهرة أو نظاماً اجتماعياً واحداً وبعضها الآخر يهدف إلى تفسير المجرى العام للتاريخ، متناولاً جميع الظواهر والنظم والأنساق الاجتماعية دون أن يركز على ظاهرة واحدة أو نظام بذاته، ومن أصحاب النظريات الدائرية، ابن خلدون، فيكون، شبلنجر، وتوينبي.

§ نظرية ابن خلدون([60]):

يرى ابن خلدون أن المجتمع الإنساني كالفرد يمر بمراح منذ ولادته حتى وفاته، وإلى أن للدول أعماراً كالأشخاص سواء بسواء، وعمر الدولة في العادلة ثلاثة أجيال والجيل أربعون سنة، فعمر الدولة إذن مائة وعشرون سنة، وفي هذه الأجيال الثلاثة يمر المجتمع بمراحل ثلاث هي:

1.  مرحلة النشأة والتكوين: وهي (مرحلة البداوة) ويقتصر الأفراد فيها على الضروري في أحوالهم، وتتميز بخشونة العيش، وتوحش الأفراد وبسالتهم، كما تتميز بوجود العصبيات.

2.  مرحلة النضج والاكتمال: وهي (مرحلة الملك)، وفيها يتحول المجتمع من البداوة إلى الحضارة، ومن الشظف إلى الثروة والخصب، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد  الواحد به، وفيها يحدث تركيز السلطة في يد شخص أو أسرة أو أمة واحدة بعد أن كانت عامة وشائعة.

3.  مرحلة الهرم والشيخوخة: وهي (مرحلة الترف والحضارة) وفيها ينسى الأفراد عهد البداوة الخشونة، وتسقط العصبية، ويبلغ الترف ذروته، وينسون الحماية والمدافعة ويؤدي النعيم بالدولة إلى الانقراض والزوال تسبقه حالة من الضعف والاستكانة وفساد خلق تسمى بالاضمحلال، وينتهي الأمر بالمجتمع إلى الهرم.

§ نظرية فيكو([61]):

وهو من أبرز مفكري القرنين السابع والثامن عشر، وقد وضع نظرية دائرية في تطور المجتمعات، مؤداها أن المجتمع الإنساني يمر في ثلاث مراحل هي:

1.    المرحلة الدينية أو الإلهية: وفيها يرجع الناس كل شيء إلى الآلهة.

2.    المرحلة البطولية: وفيها يرجعون كل شيء إلى العظماء والأبطال.

3.    المرحلة الإنسانية: وفيها أصبحت الجماهير أو الشعوب هي المحرك الحقيقي لكل شيء.

ويؤدي منطق نظريته إلى أن الإنسانية لا تستقر ولكنها تسير سيراً دائرياً، فعندما تستقر فترة معينة في المرحلة الأخيرة، سرعان ما تعود إلى القهقري، أي إلى المرة الأولى ولكن بشكل مغاير وبصورة أكثر رقياً، أي أن آخر طور من هذه الأطوار إنما يمهد للطور الأول ولكن بشكل راقي، ولذلك أطلق على نظريته “قانون النكوص”.

§ نظرية شبلنجر:

نظريته دائرية في التغير في كتابه “سقوط الغرب”، وقد درس شبلنجر سبع حضارات حاول أن يستكشف عوامل صعودها وهبوطها، وتبين له أنها جميعاً مرت بمراحل إنشاء ونمو، ونضج، ثم انحدار.

§ نظرية أرنولد توينبي([62]):

فقد قام بدراسة إحدى وعشرين حضارة في مختلف أنحاء العالم شرقاً وغرباً، وحاول أن يصل إلى معرفة القوانين العامة التي تتحكم في قيامها وتطورها وانحلالها، وقد أجمل تويني طبيعة الانهيار الحضاري في ثلاث نقاط:

1.    إخفاق الطاقة الإبداعية في الأقلية المبدعة، وعندئذ تتحول تلك الأقلية إلى أقلية مسيطرة.

2.    يرد أغلبية المجتمع على طغيان الأقلية بسحب الولاء لهذه الأقلية وعدم محاكاتها.

3.    يستتبع فقدان الثقة بين أقلية المجتمع الحاكم وأغلبيته المحكومة ضياع وحدة المجتمع الاجتماعية وانهياره.

ثانياً: النظرة الإسلامية للتغير الاجتماعي (من وجهة نظر المؤلف)

إن المسلم لابد أن يسلم قبل كل شيء بأن الله تعالى قد قدّر مقادير الخلائق وصرف أحوالها. وما سيكون على الأرض من أفعال وأقوال وأمور وغيرها؛ وكل ذلك قبل أن يخلق الإنسان على الأرض.

ومصداق ذلك، كما جاء في الحديث([63]) الصحيح، الذي رواه الإمام مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء”.

وقال([64]) أبو داود الطيالسي حدثنا عبدالمؤمن هو ابن عبدالله، كنا عند الحسن فأتاه يزيد بن أبي مريم السلولي يتوكأ على عصا فقال: يا أبا سعيد أجزني عن قول الله عز وجل: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا …..}([65])

فقال الحسن: نعم، والله إن الله ليقضي القضية في السماء، ثم يضرب لها أجلاً أنه كائن في يوم كذا وكذا في ساعة كذا وكذا في الخاصة والعامة، حتى إن الرجل ليأخذ العصا لا يأخذها إلا بقضاء الله وقدره: يا أبا سعيد والله لقد أخذتها وإني عنها لغني ثم لا صبر لي عنها: قال الحسن: أو لا ترى…. أ. هـ.

أولاً: إن ما سبق أعلاه نسلم به كمسلمين ونوقنُ به ونصدقهُ.

ثانياً: نقول إن للإنسان إرادة واختيار في حياته الدنيا، لفعله أو لتركه، وكلها بنعمة من الله ومشيئته، كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}([66]) ومعنى هذه الآية كما جاء على محمد البوطي([67]) “وما كنتم لتتمتعوا بالمشيئة في اختيار ما ترغبون لو لك أشأ أن امتعكم بهذه المشيئة” فهي تأكد لنعمة الاختيار التي متع الله بها الإنسان، وأقدره بها على التوجه إلى كسب مراداته، وتذكير له بفضل الله في ذلك عليه.

ومن أوضح([68]) الأدلة على أن هذا هو المعنى السليم للآية، الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} ، فهي تعلن عن وجود مشيئة يتمتع بها الإنسان، وهي تقرر أيضاً أن الإنسان إذا أراد أن يستعمل مشيئته في التوجه إلى الخير، فإن بوسعه أن ينفذ بقدرة وتوفيق من الله -مشيئته هذه-، ويلتزم السبيل الذي يوصله إلى مرضاته”.

ثالثاً: إن هناك من السنن الإلهية في الأرض والتي بينها القرآن الكريم، سنة التغير، وقد وردت في أكثر من آية وإليك بيانها:

1.    قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}([69]).

2.   وقال تعالى أيضاً: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}([70]).

3.   وقال في آيات أخرى تؤكد معنى التغير: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}([71]).

4.    وقال تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([72]).

مما سبق، أردت أن أوضح أن كل ما يحدث في الكون بما فيه من سماوات وأرض، لا يخرج عن علم الله تعالى وإرادته.

وعلى ذلك فإن ما يكون على الأرض من أمور وأحوال، بما فيها من تغير اجتماعي لا يخرج عن علم الله تعالى وإرادته في أحداث ذلك التغير في أي وقت وفي أي زمان شاء. وبما أن التغير سنة إلهية كما ذكرتُ سابقاً، فإن الله سبحانه وتعالى قد أنزل من لدنه ديناً لكل أمة على مر الزمان.

فإن عملت الأمة أو المجتمع بمقتضى هذا الدين السماوي والمنزل من عند الله تعالى وفق الآية أو الطريقة التي جاء ودعي إليها الدين فسيكون التغير إلى الأفضل في المجتمع وفق سنة التغير التي عنتها هذه الآية {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}([73]).

وإذا كانت المخالفة والرفض للدين المنزل من عند الله تعالى، من قبل المجتمع فسيكون ما تعنيه هذه الآية {هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}([74]).

إذاً نكرر القول، بأن التغير الاجتماعي الذي يحدث في المجتمعات والذي دندن حوله الكثير من علماء الاجتماع فربطوا التغير الاجتماعي بجوانب وعوامل أرضية بحتة.

§  مثال: من ربطة بوسائل الإنتاج والاقتصاد مثل كرال ماركس، ومنهم من ربطة بالتكنولوجيا مثل ثورسين، وآخر ربطة بعوامل فكرية وأيدلوجية أرضية هدفها المصالح والصراع، والسيطرة والتنازع، مثل أوغست كونت وفيبر، رابع ربطة بعوامل إيكولوجية مثل هنتنحتن.

وديمولن، ويأكل، بينما أنا كمسلم أربطة التغير الاجتماعي، أولاً بإرادة الله تعالى وعلمه: “ثم أقول بأن الله تعالى منذ خلق الخلق لم يضيعه وإنما أرسل له رسلاً مؤيدين (بالدين السماوي الحق) ثم أعطي للإنسان حرية الاختيار في الإتباع أو الامتناع لدخول هذا الدين بعد إقامة الحجة والدليل عليه طبعاً. وبعد نزول الدين إلى الأرض، هناك سنن يحكم الله بها هذا الكون وينظمه، ومن ضمنها ما أردنا وهي:

سنة التغير، فإن وافق المجتمع بعمله ما أراد الله منه –طبعاً وفق آليات وطرق دل عليها الدين السماوي- وأتبع طريق الرسل المبعوثين من عند الحق تعالى، كان التغير إلى الأفضل والأحسن، ومثال ذلك ما حصل للعرب من تغير وتبدل أحوالهم من الجاهلية إلى الإسلام بدليل واضح، ما جاء على لسان جعفر بن أبي طالب –رضي الله عنه- عندما وقف مدافعاً ومبيناً فضل دينه أمام النجاشي، وخصومه من وفد قريش.

“([75])إذ قال له النجاشي: ما هذا الدين الذي فرقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل؟”

فرد جعفر بن أبي طالب –رضي الله عنه- وكان هو المتكلم عن المسلمين- يا أيها الملك كنا قوماً أهل الجاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا: نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه –لاحظ التغير الذي حدث بالمجتمع الجاهلي هنا- فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه، وآمنا به.

وقد يكون التغير إلى الأسوأ عند المخالفة، وعدم إتباع الحق الذي جاء به الأنبياء، والحوادث كثيرة عبر الزمان مما يدل على ذلك، خذ على سبيل المثال لا الحصر، قوم النبي صالح الذي أخذهم الله تعالى بالصاعقة. وقم النبيّ هود. عليه السلام، والذي أرسل الله عليهم الريح الصرصر العاتية، وقوم سبأ وما أرسل الله عليهم من السيل المدمر المعروف “بسيل العرم”.

فالدين السماوي الحق، هو “المحقق للتغير كمنهج” بينما الآلية والطريقة تكون بالقبول والاتباع، وفي هذا الشأن ذكر ثابت عن الأيدلوجيات([76]): “بأنه لا يمكن أن يكون دورها في التغير الاجتماعي إلا بالقبول الاجتماعي” وهذا ما كان للدين الإسلامي، الذي لاقى قبولاً ذكر في القرآن الكريم في سورة النصر، إذ يقول تعالى: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ( 3 )}([77]).

وذكر عبدالرؤوف الجرداوي في كتابه دارسة في علم الاجتماع الإسلامي صـ85 “وقد رأى ابن خلدون في الدين عاملاً مؤثراً في سير التاريخ وتطوره، وذلك أن هناك عناية إلهية تتحكم في القوانين التي تخضع لها الظواهر المختلفة – ومنها ما عنيت (ظاهرة التغير)”.

كما أن آلية التغير الاجتماعي والتي تكون بالتعاون والتآلف والوحدة والتي تؤدي إلى تغير المجتمع لا تتأتى إلا بالدين الحق، وقد ذكر ذلك ابن خلدون([78]) في مقدمته الشهيرة فقال: “وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه، قال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ …}([79]) وَسِرُهُ أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق، ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتخذت وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك، “فعظمت الدولة”، ومعنى كلام ابن خلدون أن في الاتحاد والتعاون الذي يمليه الدين يكون تغير الدولة إلى الأفضل وتعظم، والعكس لكلامه متحقق أيضاً هنا.

إذن التغير الاجتماعي في النظرة الإسلامية متحقق من خلال الدين السماوي الحق، ووفق سنة الله تعالى في الأرض “سنة التغيير” وبفعل آلية التغير الناتجة من البشر إما إيجاباً أو سلباً.

التربية والتغير الاجتماعي من وجهة النظرة الاجتماعية والإسلامية:

يرى فريق من علماء([80]) الاجتماع التربوي، أن التربية عامل دينامي في التغير الاجتماعي، فيرى “برتراند رسل” أن إعداد المجتمع للفرد يقوم على إحدى نظريتين: أحدهما تنقل ثقافة المجتمع للفرد لتنمو قدراته لأقصاها، والأخرى تعد الفرد للمواطنة الصالحة دون اعتبار فردي.

وعليه فإن علاقة التربية بالتغير الاجتماعي علاقة متبادلة، فهي وسيلة أساسية لزيادة العناصر الثقافية الجديدة في المجتمع من ناحية، ووسيلة المجتمع أيضاً للقضاء على المشكلات الاجتماعية التي تنشأ عن انتشار هذه العناصر الثقافية الجديدة، وصراعها مع العناصر الثقافية السائدة من ناحية أخرى.

كما نادى كثير من المربين، بأن التربية في المدارس يجب أن ترتبط ارتباطاً وثيقاً القوى المختلفة التي تسبب التغير الاجتماعي، واختلفت آراء المربين حول مسؤولية المدارس في فترة التغير الاجتماعي، وهناك رأيان([81]) رئيسيان في هذا المجال:

الرأي الأول:

أن تعكس المدرسة التغيرات والتطورات التي تحدث في المجتمع، وتقوم بسد احتياجاتها، ومتطلباتها، أي تقوم بدور عاكس، كالمرآة تعكس الضوء ولا تولده، وهذا دور ثانوي وسلبي، والتربية عندما تعكس التطور الاجتماعي في المجتمع إنما تساعد عملية انتشار المخترعات الجديدة على أداء وظيفتها، فإذا كانت التغيرات التكنولوجية قد دخلت المجتمع الحديث فإن انتشارها يحتاج إلى إعداد العمالة المهرة، والمهندسين اللازمين لقيادة المصانع، ثم نعد الأسرة للتغيرات الاجتماعية المصاحبة والناتجة عنها، والتربية هي التي تقوم بهذه المهمة عن طريق المدرسة.

الرأي الثاني:

أن تقوم المدرسة بدور فعال في توجيه التغير الاجتماعي، والتبشير به، والعمل على توجيه الأنظار إليه، وإعداد العقول له، وهي بذلك تعد الأفراد لكي يقوموا بدورهم في إحداث التغير، إذ أنهم يتخرجون من المدرسة، وقد اكتسبوا اتجاهات عقلية معينة يواجهون بها مجتمعهم، فيعملون على القيام بمسؤولياتهم في تغييره، وعلى ذلك تستطيع المدرسة أن تسهم في بناء مجتمع جديد.


وأما مسؤولية([82]) التربية في فترة التغير الاجتماعي فهي:

أولاً: اكتساب الأفراد فهماً وإدراكاً جديداً للآخرين وقيمهم وعاداتهم، وتسامح من جانب كل منهم نحو الآخر حتى يقوم التعامل بينهما على أساس سليم، وهذا الفهم الجديد يجب أن يكون متسعاً، فيشمل القواعد والأفكار التي تحكم العلاقات المختلفة بين الأفراد والمنظمات وبين المنظمات بعضها بعضاً، وبين الأفراد والأفراد.

ثانياً: أما المسؤولية الأخرى، فهي أن يفهم الفرد ما يجري حوله في العالم الذي يعيش فيه، فعندما يكون الفرد على معرفة بما يجري حوله فإنه يستطيع أن يشخص من الناحية الاجتماعية الظروف والمشكلات التي تواجهه، أما إذا لم يكن على معرفة بها فإنه يصبح ولا شك حضية الواقع الذي يواجهه بدلاً من أن يسيطر عليه.

كما أن أيضاً للعلاقة التفاعلية من حيث التأثير والتأثر بين التربية والتغير الاجتماعي لها انعكاسات إيجابية على الحياة الاجتماعية وعلى المجتمع.

فمنها([83]) أن التربية وسيلة هامة وأساسية للتغلب على المشكلات الاجتماعية، التي تنشأ عن الصراعات الدائمة في المجتمع، والمرافقة للتغيرات الاجتماعية المستمرة. وبالتالي فإن العلاقة بين التربية والتغير الاجتماعي، علاقة متبادلة ولا انفكاك فيها.

كما أن التعليم أصبحت له بصماته الواضحة على مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، فانتشار التعليم في المجتمع المحلي القروي، أصبحت هناك حرية المناقشة بين الأب والابن بعد أن كان الابن يخضع لسلطان الأب بلا مناقشة، حتى ولو كان رأي الأب خاطئاً.

وقد نادى كثير من المربين والباحثين في دراسة مشكلة التعليم، بأن على التربية أن ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقوى المختلفة التي تسبب التغير الاجتماعي، وما الأسرة والمدرسة والمنظمات الاجتماعية، إلا جزء لا يتجزأ من المجتمع وهي المؤسسات التي فيما يسود المجمعات من تغير وتطور.

وأن ينظر إلى التعليم “نظرة تكاملية” بمعنى أن يتناول التعليم من جميع جوانبه وأبعاده وزواياه، مهمتين بادئ ذي بدء “بالمعلم” الذي هو حجر الزاوية في بناء التعليم. وأن يولي “البحث العلمي” أهمية خاصة باعتباره الأداة التي يستطيع المجتمع من خلالها أن يخطو نحو التقدم الاجتماعي، ويواكب النهضة العلمية المعاصرة، هذا بالإضافة إلى الاهتمام بالتنشئة الاجتماعية تلك العملية التي تقع على عاتق العديد من التنظيمات الاجتماعية، مثل المدرسة، والبيت وغيرها، فمن خلال التنشئة السليمة يمكن أن ننشئ جيلاً يتمثل القيم الجديدة التي ارتضاها المجتمع، إذن فالتنشئة الاجتماعية، عملية اجتماعية مؤثرة في التغير الاجتماعي.

هذا ولما كانت التربية الوظيفية الحديثة لن تبعد تراث الماضي، ولكنها ستستمد حيوية من أوجه القوة في هذا التراث، وستتطلب من أوجه القوة هذه أن تواجه مطالب العصر الحديث، بحيث تسهم في حل مشكلات العصر، وبناء عالم أفضل في المستقبل، وتعد الناس للمساهمة والاشتراك في عملية التمدين والعصرية، فإنها بهذا تهدف إلى أن تكون عاملاً للتغير الاجتماعي.


أما بخصوص النظرة الإسلامية لعلاقة التربية بالتغير الاجتماعي:

أنه لابد أن يكون الهدف النهائي للتربية الإسلامية والتي تنطلق من النظرة الإسلامية وعلاقتها بالتغير الاجتماعي، هو تكوين المجتمع المسلم، ولذلك دعي محمد قطب المفكر الإسلامي المعروف([84]): “إلى أن يكون المنهج الخاص بالتربية، يسعى إلى إعداد (الإنسان) الصالح وليس (المواطن) الصالح، فالإسلام لم يأت باسم قوم، وليس محدداً بوطن، بل جاء للإنسانية جمعاء”، كما أن المنهج لابد له أن يعالج الكائن البشري معالجة شاملة ودقيقة (جسمياً، وعقلياً، وروحياً، وحياة مادية واجتماعية)، وذلك لتحديد سمات وصفات الإنسان، ولكي يتم استغلال طاقاته كلها حتى يمكن إحداث التوازن بينه وبين واقع الحياة (المتغير) بشكل يتناسب مع مستوى الإنسانية الكريم، وفي حدود التقوى.

كما أن صفات المجتمع المسلم الذي ينبغي أن تكون عليه المجتمعات الأخرى وتتخذه كقدوة هو([85]) التالي:

1.    التحرر من القيم الزائفة والعوائق التي تعوق تقدم البشرية ورفعتها، والتحرر من كل عبودية غير العبودية لله الحق.

2.  التعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على تنفيذ منهج الله في تقويم البشرية، وفي إقامة المجتمع الصالح، وفي تنشئة الأجيال.

3.    إقامة الحق والعدل والأمانة.

4.    إشاعة روح التكافل الاقتصادي والاجتماعي والفكري والروحي بين أفراده.

5.    توجيه الطاقة الإنشائية للناس في سبيل البناء والتعمير والخير.

6.    مقاومة الشر والفجور والفساد والفاحشة.

كما أن المنهج الإسلامي الذي ينبغي أن تتمسك به المجتمعات والذي دعت إليه النظرة الإسلامية:

لابد أن يشتمل على التالي:

1.    الشمول والتكامل.

2.    التوازن.

3.    الإيجابية والسوية.

4.    الواقعية المثالية.

وأن يؤكد المنهج الإسلامي على منهج العبادة، والعبادة هنا ليست المناسك المعروفة (الصلاة والصيام والزكاة)، وإنما هي معنى أعمق وأشمل، فالعبادة هي العبودية لله وحده والتلقي منه في أمور الدنيا والآخرة، وهي الصلة الدائمة بالله في هذا كله، أما المناسك فهي مفاتيح للعبادة، ولذلك فالعبادة منهج حياة شامل وعليها تقام أسس التربية.

كما أن لرأي الشيخ محمد عبده دوراً بارزاً في زمن التغير الاجتماعي وهو يعكس بذلك النظرة الإسلامية للتغير، إذ يقول الشيخ محمد عبده: “أنه لا سبيل لتقدم الأمة إلا بمقاومة الاستعمار والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، ولا يتم ذلك إلا عن طريق نشر التعليم والاهتمام به، ومجانيته. وأيضاً الاهتمام بالمرأة وتعليمها لأن للمرة دور مميز وبارز، وتشكل شريحة واسعة وواعية في المجتمعات العربية والإسلامية، إذا وجدت حظها في التعليم والاهتمام بها، وإقامة الأندية النسائية الثقافية والتي تتحد فيها آراء الباحثات وتتعاون مع أخيها الرجل في صد هجمات التغريب والاستعمار بأساليبه ومخاطرة على الأمة والمجتمع.

كما نادى المربي الكبير علي مبارك (1823م – 1893م) إلى إصلاح التعليم، واعتبر أن إصلاح التعليم هو خير أنواع الإصلاح، ولا يمكن أن يكون للإصلاح السياسي قيمة عليا ما لم يرتبط بالإصلاح التعليمي. وهذا ما تدعو إليه النظرة الإسلامية في علاقة التربية بالتغير الاجتماعي، إذ أن في إصلاح التعليم إصلاح للمجمع، إذ أن الهدف من التعليم هو تحقيق التقدم الاجتماعي والخلقي لأبناء المجتمع قاطبة.


وعلى ذلك أقول أن التغير الاجتماعي، تنظر إليه النظرة الإسلامية من جانبين:

الجانب الأول: أن التغير ربما يكون تغييراً للأصول والمبادئ والثوابت التي يقوم عليها المجتمع المسلم، فيكون إما عن طريق الاستعمار أو عن طريق المغرضين أو المأجورين من أدعياء الغرب وأذياله، فهو مرفوض. وينبغي محاربته، وإعداد الوسائل اللازمة لصيانة أفكار المجتمعات الإسلامية وتحذيرها منه ومن مخاطره، وسبيل الإسلام في ذلك التربية والدعوة إلى الإصلاح، من خلالها. وبث المناهج المعتدلة التي تميز الصحيح من السقيم من المستوردات الأجنبية بمادياته وأفكاره وثقافته.

الجانب الثاني: أن التغير قد يكون تغيراً للأفضل، في تحسين مستوى المجتمعات الإسلامية، وتوظيف أفضل الإمكانيات فيها من خلال الدعوة المتوازنة إلى التمسك بالأصالة وتهذيب الموروثات التراثية التي لا تحقق تقدماً أو التي تدعو إلى الانغلاق كما الانفتاح على التكنولوجيا والأفكار التي تخدم المجتمع المسلم دون أن تلحق الأذى فيه، ووسيلة الإسلام في ذلك أيضاً من خلال الإصلاحات في مجال التربية وإعداد المناهج التي تعزز الإيجابيات للأمة، وتبعد السلبيات والمضار عنها.

وبهذا يكون التغير إلى الأفضل والتوازن والاعتدال في النظرة الإسلامية هي المطلب بين العلاقة الخاصة بالتربية والتغير الاجتماعي.

التربية والتغير الاجتماعي:

The relation between education & social changes

علاقة التربية بالتغير الاجتماعي علاقة متبادلة، فهي وسيلة أساسية لزيادة العناصر الثقافية الجديدة في المجتمع من ناحية، ووسيلة المجتمع أيضاً للقضاء على المشكلات الاجتماعية التي تنشأ عن انتشار هذه العناصر الثقافية الجديدة وصراعها مع العناصر الثقافية السائدة من ناحية أخرى.

ولقد نادى كثير من المربين بأن التربية في المدارس يجب أن ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقوى المختلفة التي تسبب التغير الاجتماعي، واختلفت آراء المربين حول مسؤولية المدرس في فترة التغير الاجتماعي، وهناك رأيان رئيسيان في هذا المجال([86]):

الرأي الأول:

أن تعكس المدرسة التغيرات والتطورات التي تحدث في المجتمع وتقوم بسد احتياجاتها، ومتطلباتها، أي أن تقوم بدور عاكس، كالمرأة تعكس الضوء ولا تولده، وهذا دور ثانوي وسلبي، والتربية عندما تعكس التطور الاجتماعي في المجتمع إنما تساعد عملية انتشار المخترعات الجديدة على أداء وظيفتها، فإذا كانت التغيرات التكنولوجية قد دخلت المجتمع الحديث فإن انتشارها يحتاج إلى إعداد العمال المهرة، والمهندسين اللازمين للقيادة إلى المصانع، ثم نعد الأسرة للتغيرات الاجتماعية المصاحبة والناتجة عنها، والتربية هي التي تقوم بهذه المهمة عن طريق المدرسة.

الرأي الثاني:

فهو أن تقوم المدارس بدور فعال في توجيه التغير الاجتماعي، والتبشير به، والعمل على توجيه الأنظار إليه، وإعداد العقول له، وهي بذلك تعد الأفراد لكي يقوموا بدورهم في إحداث التغير، إذ أنهم يتخرجون من المدرسة وقد اكتسبوا اتجاهات عقلية معينة يواجهون بها مجتمعهم، فيعملون على القيام بمسؤولياتهم في تغييره وعلى ذلك تستطيع المدرسة أن تسهم في بناء مجتمع جديد، والأمثلة كثيرة.

مسؤولية التربية في فترة التغير الاجتماعي: the role of education

وتتلخص فيما يلي:

  • إكساب الأفراد فهماً وإدراكاً جديداً للآخرين وقيمهم وعاداتهم، وتسامح من جانب كل منهم نحو الآخر حتى يقوم التعامل بينهما على أساس سليم. وهذا الفهم الجديد يجب أن يكون متسعاً فيشمل القواعد والأفكار التي تحكم العلاقات المختلفة بين الأفراد والمنظمات وبين المنظمات بعضها بعضاً، وبين الأفراد والأفراد.
  • أما المسؤولية الأخرى فهي أن يفهم الفرد ما يجري حوله في العالم الذي يعيش فيه. فعندما يكون الفرد على معرفة بما يجري حوله فإنه يستطيع أن يشخص من الناحية الاجتماعية الظروف والمشكلات التي تواجهه، أما إذا لم يكن على معرفة بها فإنه يصبح ولا شك ضحية الواقع الذي يواجهه بدلاً من أن يسيطر عليه.

الحاجة إلى التربية من جديد في فترة التغير الاجتماعي:

عندما يزداد التغير الاجتماعي حدة في المجتمع، فإن عدد المشاكل الاجتماعية الناجمة عنه تزداد عدداً، كما تزداد عمقاً وشدة مما يهدد تماسك الجماعة وتكاملها.

وهنا يأتي دور التربية الإيجابي في مواجهة هذا التغير والتصدي للمشكلات الناجمة عنه، حتى تساعد الأفراد على حسن التكيف، وذلك بالتغلغل داخل الشخصيات الإنسانية ومساعدتها على عملية إعادة بنائها فيما يختص بأنواع الولاء التي تؤمن بها، والآمال التي تتطلب إليها، ووجهات النظر التي تعتنقها، والمثل الأخلاقية التي يدين بها الأفراد، وهذا يعني إعادة بناء الشخصية من جديد، بخلق أنماط جديدة من الشخصية مناسبة للسيطرة على التنظيمات الاجتماعية التي تخلقها الظروف الناشئة عن العلم والتكنولوجيا، وهذا العمل من جانب التربية هو ما يسمى بالتربية من جديد.

التربية عملية إعادة البناء:

إن مسؤولية التربية في فترة التغير الاجتماعي هي عملية إعادة البناء الاجتماعي وإعادة الفحص المستمر للآراء والأفكار والمعتقدات والمؤسسات الاجتماعية، وبذلك تصبح مهمة المربي الأساسية ليست تلقين الأفراد وجهات نظر تقليدية، ولكن مهمته إعادة الفحص المستمر وإعادة البناء للتراث الثقافي في ضوء المشكلات الجديدة والظروف الجديدة، مما يعطينا الأمل في أن التربية يمكنها أن تلعب دوراً مهماً في الوصول إلى حل المشكلات الاجتماعية والصراع الاجتماعي.

وإذا ما وافقنا على هذه النظرية، وهي أن الهدف الاجتماعي الأساسي للتربية هو استمرار إعادة الفحص والبناء للأفكار والآراء والمؤسسات الاجتماعية، فإن علينا أن نوضح ثلاثة أخطاء أساسية قد تتبادر إلى ذهن القارئ:

الخطأ الأول: إن استمرار إعادة الفحص والبناء للآراء والمعتقدات والمؤسسات الاجتماعية لا يعني أننا نرفض التراث الثقافي، وإنما إحداث التغيرات المناسبة فيه قبل فوات الأوان للمحافظة على القيم السامية في ثقافتنا من الزوال والاندثار، فهي واقعية وتحررية وديناميكية تصر على التقدم وعلى قيام المجتمع بالتغيرات اللازمة في الوقت المناسب.

الخطأ الثاني: أن إعادة الفحص والبناء المستمر لا يعني أن كل شيء يجب أن يتغير في الحال وإنما نحتاج إليها أكبر احتياج فقط في المواقف التي تظهر فيها المشكلات الاجتماعية الخطيرة وأنواع الصراع العنيفة.

الخطأ الثالث: فهو أن استمرار إعادة الفحص والبناء لا يحدث على أساس عقلي بحت، وإنما نعني بذلك توجيه نظرة تكاملية إلى الخبرة الإنسانية وإلى أن العناصر الثقافية في المجتمع تشمل الأفكار والأعمال النظرية والتطبيق معاً. كما تعني هذه النظرية أيضاً أن التربية عمل يهتم بالفرد ككل ولا يهتم به من الناحية العقلية فقط. كما تعني هذه النظرية بتفاعل المدرسة ومربيها مع البيئة الاجتماعية ومؤسساتها لا الانعزال عنها.

  • ولقد أشار فاروق العادلي (1990) إلى أهمية استخدام التربية للمساهمة في عملية التغير الاجتماعي والثقافي حيث قال: “إن التربية يمكن أن يؤدي إلى تغيرات اجتماعية وثقافية عميقة وواسعة المدى ولكن في ظل نظم تتمتع بالسلطة المطلقة”. كما أشار إلى تركيب أو بنية النظام الاجتماعي، أن هناك عناصر عدة يتكون منها هذا النظام ومن بينها البشر، والعنصر المادي، ثم عنصر التنظيم والإدارة، ثم مجموعة المعايير والقيم. وأخيراً اهتمامات واتجاهات النظام الاجتماعي ووظائفه وأهدافه التي يسعى لتحقيقها من خلال تلك العناصر التي تساهم بدور كبير في عملية تغير المجتمع. ومن هنا تبرز لنا حقيقة علاقة النظام التربوي بهذه النظم الموجودة في كل مجتمع، ويظهر لنا هذا فيما تقوم به التربية من خلق وتنشئة للعنصر البشري الذي عليه أن يؤدي دوره في النظم الاجتماعية في المجتمع([87]).
  • ويعتقد معظم التربويين أن المدرسة تلي البيت كوسيلة من أهم وسائل التأثير في مجرى الثقافة من خلال تعديل نماذج الشخصية ويصبح لها دور بارز كنسق اجتماعي فرعي (نظام اجتماعي) تحتضن ثقافة المجتمع وتنقلها وتسهم في تطويرها. إن أي تغير يحدث في أي عنصر ثقافي يتطلب تغيراً في بعض العناصر الثقافية والنظم الاجتماعية المرتبطة به فإذا لم يحدث التغير بنفس السرعة فقد ينشأ ما يسميه (Ogburn, 1957) بالتخلف الثقافي أو الهوة الثقافية (Culture Lag) فزيادة عدد السيارات في مجتمع ما يتطلب بالضرورة التوسع في الطرق السريعة وتنظيم قواعد المرور حتى لا يحدث الصراع الثقافي.
  • إن كثرة الصراعات الثقافية في المجتمع قد ينتج عنها الكثير من المشكلات الاجتماعية التي تعرض ثقافته للتفكك. وتسهم التربية في فترات التغيرات الاجتماعية السريعة في بناء النظام الاجتماعي الجديد وتعمل على الحفاظ على قيمة الهامة وتراثه الثقافي وايدلوجيته. وفي الوقت نفسه تساعد الأفراد على تقبل التغيرات الهامة والأساسية التكيف معها وتدريبهم لكي يصبحوا أداة تغير فعالة في المجتمع.

دور التربية في مواجهة التغيرات في المجتمع:

ويتلخص فيما يلي:

  • الإعداد المهني لأفراد المجتمع.
  • المحافظة على وحدة الجماعة وتماسكها.
  • المحافظة على أيديولوجية المجتمع ومقوماته الأساسية.
  • إعداد الأفراد وتهيئتهم لمواجهة التغيرات والاستفادة منها وإحداثها.
  • التأكيد على القيم الدينية.

تم بحمد الله وتوفيقه

المراجـــع

1)    القرآن الكريم.

2)    الأنسي، عبدالله، باقارش، صالح، مشاهير الفكر التربوي عبر التاريخ، ط:3 (1999م)، مكة المكرمة: مكتبة إحياء التراث.

3)    ابن القيم، محمد، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ط:2 (1993م)، بيروت: دار الكتب العلمية.

4)    ابن خلدون، عبدالرحمن، مقدمة ابن خلدون، ط:1 (1998م)، بيروت: دار الفكر.

5)    ابن كثير، إسماعيل، قصص الأنبياء، ط:2 (1993م)، بيروت: دار الجيل.

6)    البوطي، محمد سعيد، الإنسان مسيّر أم مخيّر، ط:1 (1998م)، دمشق: دار الفكر.

7)    ثابت، ناصر، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1993م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

8)  الجرداوي، عبدالروؤف، دراسة علم الاجتماع الإسلامي (الإسلام وعلم الاجتماع العائلي)، ط:2 (1994م). الكويت: إدارة الثقافة الإسلامية.

9)    الجزائري، أبوبكر، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، ط:1 (1993م) مج (4، 5)، المدينة المنورة: المدينة.

10)           الخميس، منصور، كلمات غريبة، ط:1 (1996م)، الرياض: مكتبة العبيكان.

11)           الرشدان عبدالله، علم اجتماع التربية، ط:1 (1999م)، عمان: دار الشروق.

12)           عبدالباقي، محمد فؤاد، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ط:4 (1994م)، لبنان: دار المعرفة.

13)           غربال، محمد شفي وآخرون، الموسوعة العربية الميسرة، (1964م)، القاهرة: دار الشعب، دون طبعة.

14)           القرضاوي، يوسف، الدين في عصر العلم، ط:3 (1998م)، بيروت: المكتبة الإسلامية.

15)           المباركفوري، صفي الرحمن، الرحيق المختوم، ط:3 (2000م)، المنصورة: دار الوفاء.

16)           المسلم، بسامة، علم اجتماع التربية والتنمية، (1996م)، الكويت: ذات السلاسل. دون طبعة.

17)           الميداني، أحمد بن محمد، مجمع الأمثال، ط:1 (1988م)، مج1، بيروت: دار الكتب العلمية.

18)           النشمي، عجيل وآخرون، التربية الإسلامية، ط:1 (1998م)، الكويت، وزارة التربية.

19)           الهواري، عادل، أسس علم الاجتماع، ط:1 (1988م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

20)           وطفة، علي، دراسات في علم الاجتماع التربوي وقضايا الحياة المعاصرة، ط:1 (1998م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

21)           العادلي، فاروق محمد، (1990)، التربية والتغير الاجتماعي، دار الكتاب الجامعي، القاهرة.


([1]) ناصر ثابت، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط: 1 (1993م)، الكويت – مكتبة الفلاح.

([2]) ناصر ثابت، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط: 1 (1993م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([3]) علي وطفة، علم الاجتماع التربوي وقضايا الحياة التربوية المعاصرة، ط:2 (1998م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([4]) ناصر ثابت، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1993م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([5]) عبدالله الرشدان، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1999م)، عمان، دار الشروق.

([6]) سورة الأنفال: الآية 53.

([7]) أبو بكر الجزائري، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، ط:1 (1994م) مج: 1 المدينة المنورة: المدينة.

([8]) سورة المائدة: الآيتان رقم (65-66).

([9]) عبدالله الرشدان، علم اجتماع التربية، ط:1 (1999)، عمان: دار الشروق.

([10]) ناصر ثابت، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1993م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([11]) علي وطفة، علم الاجتماع التربوي وقضايا الحياة التربوية المعاصرة، ط:2 (1998م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([12]) عبدالله الرشدان، علم اجتماع التربية، ط:1 (1999م)، عمان: دار الشروق.

([13]) علي وطفة، علم الاجتماع التربوي وقضايا الحياة التربوية المعاصرة، ط:2 (1998م)، الكويت، مكتبة الفلاح.

([14]) علي وطفه، علم الاجتماع التربوي وقضايا الحياة التربوية المعاصرة، ط:2 (1998م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([15]) كميل الحاج، الموسوعة الميسرة في الفكر الفلسفي والاجتماعي، بيروت: مكتبة لبنان، دون تاريخ وطبعة صـ205.

([16]) المرجع السابق صـ206.

([17]) سميرة السيد، علم اجتماع التربية، ط:1 (1993م)، القاهرة: دار الفكر العربي.

([18]) علي وطفة، علم الاجتماع التربوي وقضايا الحياة التربوية المعاصرة، ط:2 (1998م)، الكويت: مكتبة الفلاح. صـ95.

([19]) عبدالله الرشدان، علم اجتماع التربية، ط:1 (1999م)، عمان: دار الشروق. صـ276.

([20]) عبدالله الرشدان، علم اجتماع التربية، ط:1 (1999م)، عمان: دار الشروق.

([21]) ناصر ثابت، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1993م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([22]) عبدالله الرشدان، علم اجتماع التربية، ط:1 (1999م) عمان: دار الشروق.

([23]) ناصر ثابت، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1993م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([24]) المرجع السابق. صـ156.

([25]) عبدالرؤوف الجرداوي، دراسة في علم الاجتماع الإسلامي، ط:2 (1994م)، الكويت: إدارة الثقافة الإسلامية.

([26]) أبوبكر الجزائري، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، ط:1 (1993م) مج5، المدينة المنورة: المدينة.

([27]) عبدالرؤوف الجرداوي، دراسة في علم الاجتماع الإسلامي، ط:2 (1994م)، الكويت: إدارة الثقافة الإسلامية.

([28]) ناصر ثابت، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1993م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([29]) عجيل النشمي وآخرون، التربية الإسلامية، ط:1 (1999م)، الكويت: وزارة التربية. صـ121.

([30]) سورة يوسف: آية رقم 75.

([31]) سورة النساء: رقم الآية 160.

([32]) سورة الأنعام: رقم الآية 146.

([33]) ابن كثير، قصص الأنبياء، ط:3 (1993م)، بيروت: دار الجيل صـ273.

([34]) سورة يونس: رقم الآية 98.

([35]) سورة يونس: رقم الآية 98.

([36]) أحمد الميداني: مجموع الأمثال، ط:1 (1988م)، مج:1 ص351، بيروت: دار الكتب العلمية.

([37]) عبدالله الرشدان، علم اجتماع التربية، ط:1 (1999م)، عمان: دار الشروق.

([38]) سورة الأعراف: آية رقم 70.

([39]) صفي الرحمن المبارك كفوري، الرحيق المختوم، ط:3 (2000م)، المنصورة: دار الوفاء.

([40]) عبدالله الرشدان، علم اجتماع التربية، ط:1 (1999م)، عمان: دار الشروق.

([41]) ناصر ثابت، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1993م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([42]) جيوفياني، فيكو، فيلسوف إيطالي، حاول تطبيق المنهج العلمي على دراسة التاريخ، ورأيه في تطور الحضارة أن المجتمع قد اجتاز مراحل ثلاث: الدينية (الثيوقراطية). والارستقراطية، والديمقراطية، وأن كل مرحلة تحمل في طيها عناصر إنحلالها، توفي 1744م.

([43]) جورج هيجل، فيلسوف ألماني، وضع مذهبه في مؤلفاته فمنها (علم المنطق)، (وموسوعة العلوم الفلسفية) كتب في الأخلاق والجمال والتاريخ والدين، وفلسفته مثالية مطلقة، ومؤداها أن للكون روحاً يبتدي في مراحل تطورية يعنيها المنطق الجدلي، ومحصلة فكرة ما تولد نقيضها، ومن تفاعل النقيضين تنتج فكرة جديدة تؤلف بينها مثل (فكرة الوجود تولد العدم) ومن تآلفهما تنتج الصيرورة، وعلى أساس فلسفة هيجل قامت الفلسفة السياسية الألمانية، وعلى أساس منطقها قام المنطق الجدلي عند ماركس، توفي سنة 1831م.

([44]) عبدالله الرشدان، علم اجتماع التربية، ط:1 (1999م)، عمان: دار الشروق.

([45]) عادل الهواري، أسس علم الاجتماع، ط:1 (1988م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([46]) تصنيف بيرسي كوهين (PERCY COHEN) في كتابه “النظريات الاجتماعية الحديثة” نقلاً عن الرشدان.

([47]) المرجع السابق ص326.

([48]) عادل الهواري، أسس علم الاجتماع، ط:1 (1988م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([49]) بسامة المسلم، علم اجتماع التربية والتنمية، (1996م)، الكويت: ذات السلاسل.

([50]) مذهب سياسي متطرف، يطالب أصحابه بالإصلاحات الجذرية الجوهرية في السياسة العامة للدولة، بشرط أن تكون هذه التغيرات مباشرة وجذرية، وليست متدرجة بهدف تحسين الأحوال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للبلاد.

([51]) عادل الهواري، أسس علم الاجتماعي، ط:1 (1988م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([52]) المرجع السابق صـ347.

([53]) عبدالله الرشدان، علم اجتماع التربية، ط:1 (1999م)، عمان: دار الشروق.

([54]) المرجع السابق صـ278.

([55]) نفس المرجع السابق.

([56]) بتصرف من كتاب يوسف القرضاوي، الدين في عصر العلم، ط3 (1998م) بيروت: المكتب الإسلامي.

([57]) المرجع السابق.

([58]) أبوالوليد محمد بن أحمد بن رشد، من الأسر العربية الشهيرة بالأندلس، فجده ووالده وهو تولوا بالتتالي القضاء على قرطبة، وكانوا فلاسفة، وعلماء أفذاذ، توفي ابن رشد 595هـ.

([59]) بسامة المسلم، علم اجتماع التربية والتنمية، (1996م)، الكويت: ذات السلاسل، دون طبعة.

([60]) عبدالله الرشدان، علم اجتماع التربية، ط: 1 (1999م)، عمان: دار الشروق.

([61]) فيلسوف إيطالي، حاول تطبيق المنهج العلمي على دراسة التاريخ، رأيه في تطور الحضارة أن المجتمع قد اجتاز مراحل ثلاثاً: ثيوقراطية الدينية، الارستقراطية، الديمقراطية، وكل مرحلة تحمل في طياتها عناصر انحلالها، توفي 1744م.

([62]) إنثروبولوجي إنجليزي، ساعدت دراساته على تحديد مجال الإنثروبولوجية، وتطور الاهتمام بذلك العلم، درس بجامعة أكسفورد، أهم كتبه “الثقافة البدائية” و”الأنثروبولوجية” توفي 1917م.

([63]) محمد بن قيم الجوزية: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ط:2 (1993م). بيروت: دار الكتب العلمية.

([64]) المرجع السابق: صـ12.

([65]) سورة الحديد، آية: 22

([66]) سورة الإنسان، آية: 30.

([67]) محمد سعيد البوطي، الإنسان مسير أم مخير: ط:2 (1998م): دمشق: دار الفكر ص:90.

([68]) المرجع السابق: صـ91.

([69]) سورة الأنفال، آية: 53.

([70]) سورة الرعد، آية: 11.

([71]) سورة هود، آية: 57.

([72]) سورة التوبة، آية: 39.

([73]) سورة الأنفال، آية: 53.

([74]) سورة محمد، آية: 38.

([75]) صفي الرحمن المبارك كفوري: الرحيق المختوم، ط:3 (2000م). المنصورة: دار الوفاء. صـ117.

([76]) ناصر ثابت، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1993م). الكويت: مكتبة الفلاح، صـ175.

([77]) سورة النصر، الآيات: (3:1).

([78]) عبدالرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ط:1 (1998م)، بيروت: دار الفكر صـ159.

([79]) سورة الأنفال، آية: 63.

([80]) ناصر ثابت، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1993م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([81]) عبدالله الرشدان، علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1999م)، عمان: دار الشروق.

([82]) عبدالله الرشدان، علم اجتماع التربية، ط:1 (1999م)، عمان: دار الشروق.

([83]) ناصر ثابت، دراسات في علم الاجتماع التربوي، ط:1 (1993م)، الكويت: مكتبة الفلاح.

([84]) عبدالله الآنسي، وصالح باقارش، مشاهير الفكر التربوي عبر التاريخ، ط:3 (1999م). مكة المكرمة: مكتبة إحياء التراث الإسلامي.

([85]) المرجع السابق، صـ380.

([86]) الرشدان، عبدالله، علم اجتماع التربية، عمان: دار الشروق 1999م.

([87]) العادلي، فاروق، التربية والتغير الاجتماعي، القاهرة، دار الكتاب العربي 1990م.

2 Responses

  1. asma Said,

    الدكتور الفاضل:محمد العتيبي
    حق لي بأن أشكركم على نشر كتابكم الكترونيا,فلقد استفدت منه أيما استفادة,وإن دل فعلكم على شيء ؛فهو يدل
    على سموكم الروحي,وعظيم فكركم.
    وهذا ليس على مثلكم بغريب ,فمثلكم من رواد النهضة في المجتمع الإسلامي.

    وأتمنى لكم ماتستحقونه وزياده,,

    ممتنة لكم,,

    Posted on May 28th, 2011 at 8:29 pm

  2. hayat libya Said,

    جزاكم الله خيرا استفدت من الكتاب في عمل بحث عن التغير الاجتماعي في الاسلام

    Posted on May 21st, 2016 at 12:54 am

اضافة رد

You must be تسجيل الدخول مرحلة ما بعد الرد

تسجيل الدخول

المواضيع