قراءة تحليلية للثقافة بوصفها تعبيراً بين حي بن يقظان وروبنسون كروزو

الدكتور / محمد عبدالله العتيبي

أولاً: تعريف بمؤلفي القصتين:

  1. قصة حي بن يقظان – لصاحبها ابن الطفيل:

هو أبوبكر محمد بن عبدالملك بن محمد بن طفيل القيسي الذي ولد في وادي آش في الشمال الشرقي من قرطبة بالأندلس – والأرجح أنه ولد في السنوات العشر الأولى من القرن الثاني عشر الميلادي، درس الطب ومارسه، كما اشتغل كاتباً لعامل غرناطة – ولكن الفترة الهامة في حياة ابن الطفيل هي تلك التي أمضاها بحضرة “أبي يعقوب يوسف بن أبي محمد” سلطان الموحدين وكان عالي الثقافة ذا حظ من العلوم العقلية إلى جانب معرفته بأخبار العرب.

وكان ابن الطفيل شاعراً – وله مؤلفات في الطب والفلك وقد أشار ابن رشد إلى أحدها، على أن الجانب الفلسفي في فكره هو الجدير حقاً بالعناية والتقدير – بيد أنه لم يبق لنا من آثاره الفلسفية غير كتاب “حي بن يقظان”.

 

قصة روبنسون كروزو – لصاحبها دانيال ديفو

ولد دانيال ديفو في لندن عام 1660م، لأب ينتمي إلى طبقة وسطى يدعى جيمس فو، وقد عانى أبوه من ظلم واضطهاد الكنيسة الإنجليزية، حيث كان من المنشقين عنها، وكان دانيال من المشتغلين بالسياسة والتجارة – كما كان ديفو شاعراً مطبوعاً، وقد نشر قصائده الأولى في عام 1681م بعنوان “ترنيمات شكر وندر” وهي قصائد دينيه، كما نشر رواية “مول فالندرز” – وترجع سمعة دانيال ديفو الأدبية في تاريخ الرواية الإنكليزية إلى عدد من الأعمال الروائية، كان قد بدأ كتابتها وهو في سن متأخرة، وأول هذه الأعمال وأوسعها شهرة روايته المسماة “حياة ومغامرات روبنسون كروزو الغريبة المدهشة” التي ظهرت في عام 1719م وهو تاريخ يشير إلى نقطة تحول في تاريخ الرواية الإنكليزية – وفي عام 1730م ترك دانيال ديفو مسكنه هارباً من مقاضاة إحدى المحاكم له بعد أن طالبته أرملة بسداد دين لها من ما يقرب من 25 عام وإلتجأ إلى قرية جرينتش، وفي عام 1731م مات ديفو وحيداً طريداً، ولم يعلم بموته إلا قلة ضئيلة من الناس.

ثانيـــاً:(خلاصة قصة حي بن يقظان):

كان بإحدى الجزائر ملك شديد الغيرة وكانت له أخت ذات جمال، فمنعها من الزواج، لأنه لم يجد لها كفؤا، وكان له قريباً يسمى يقظان فتزوجها سراً ثم حملت منه ووضعت طفلاً، فلما خافت أن يفتضح أمرها، وضعته في تابوت وألقته في اليم، فدفعه الموج إلى إحدى الجزر البعيدة فلما أشتد الجوع بالصغير بكى، فوقع صوته في أذن ظبي فقدت ولدها، فتتبعت الصوت إلى أن وصلت إلى التابوت ورأت الولد وحنت عليه وألقمته ثديها، ومازالت تتعهده حتى كبر وترعرع، وقد حاكم الطفل الظبية بصوته، وكذلك كان يحاكي جميع ما يسمعه من أصوات الحيوانات والطير فألفته الوحوش وألفها، وبالملاحظة والتجربة تعلم كيف يغطي عورته من أوراق الشجر، ولم يفارق الظبية إلى أن أصابها الهزال وأدركها الموت، فجزع لموتها وقام بتشريحها ليعرف سبب موتها فاهتدى إلى أن حياتها كانت في قلبها وظل زمناً يتفحص الحيوانات والنباتات في جزيرته، فصادف أن رأى ناراً تقدح، فعرف النار وكيفية إشعالها واعتقد أنها أفضل الأشياء لديه، فعلم من خلال تشريحاته للحيوان أن كل حيوان وإن كان كثيراً بأعضائه إلا إنه واحداً بروحه، كما أوصله تفكيره في سائر الأحياء إلى إدراك أن حقيقة كل واحد منها مركب من الجسمية ومعنى آخر زائد على الجسمية، فلاحت له صور الأجسام على اختلافها وأول ما لاح له من العالم الروحاني، إذ هي صور لا تدرك بالحس وإنما تدرك بالعقل، فلما تبين له أن الكون كله كشخص واحد، وأنه محتاج إلى فاعل، تساءل وقد أوصله تساؤله إلى أن الخالق لهذا الكون لا يمكن أن يدرك بالحواس، ولهذا وصل حي بن يقظان عن طريق نمو العقل لوحده إلى مرتبة الاتحاد بالخالق، ووافق أن صادف في جزيرته رجلاً ذا دين جاء معتزلاً متعبداً فوافقت عقلية حي دينية (سالمان) فهنا التوحد بين العقل والنقل والموافقة التي أرادها ابن الطفيل.

خلاصة قصة روبنسون كروزو

كان روبنسون كروزو شاب من الطبقة الوسطى، وعلى الرغم من أن والده كان يرغب في أن يمارس ابنه روبنسون عملاً ما، ويحيا حياة هادئة مستقرة إلا أن الابن كان يحب المغامرة وركوب البحر، ووجد الابن أن البققاء في وطنه محال عليه، فحزم أمره وقام برحلة بحرية برفقة مزارع إنكليزي دون أن يأخذ إذناً من والده وكان مقصدهم أفريقيا لإحضار تجارة من العبيد، وفي أثناء رحلتهما هبت عاصفة ورياح عاتية كانت نتيجتها أن تحطم السفينة وأخذ الموت سائر ما فيها من البحارة سوى صاحبنا روبنسون الذي أخذته موجة عالية وألقت به إلى الشاطئ وبالرغم من سباحته الجيدة إلا أن الهلاك كاد يقضي عليه، لولا أن انسحب بعيداً إلى اليابسة، وبعد إفاقته وجد نفسه في جزيرة لوحدة معزول ثم شيد له خيمة وراح يستكشف الجزيرة ليعرف أنه لوحدة فيها، بعد أن ذهب إلى تحطم سفينته التي لم تكن بعيدة عن الشاطئ ليأخذ منها ما صلح من المؤمن والمعدات، ثم استأنس له بعض الحيوانات الأليفة مثل الماعز والكلب، وهكذا تكيف وتأقلم في جزيرته، وكان يجد متسعاً من الوقت لقراءة الكتاب المقدس الذي أحضره من حطام السفينة، فكان في خلوته قريباً من الرب في صلاته وصومه ودعائه ثم لما طالبت عليه السنين في الجزيرة لوحده، ظهرت له آثار أقداماً عارية مما أدخل الرعب في قلبه فذهب إلى خيمته لا ينام ويفكر لمدة ثلاث أيام، ثم ذهب بعد ذلك إلى مكان تلك الأقدام ليجد بعض البدائيين يأتون لهذه الجزيرة لأكل لحم أسراهم من البشر، فأنقذ واحداً من الأسرى سماه فرايداي (الجمعة) تيمناً بيوم نجاته، وبعد ذلك ساقت الأقدار لروبنسون وصاحبه فرايداي سفينة إنجليزية رست على جزيرتهم وكان فيها بحارة تمردوا على قبطانهم، حيث ساعد روبنسون القبطان على إنها التمرد، ثم رحل روبنسون إلى وطنه برفقة أصحابه وكانت مدة بقائه في الجزيرة ثمانية وعشرين عاماً وشهرين وتسعة عشر يوماً من الغربة.

ثالثاً: تحليل للثقافة بوصفها تعبيراً في القصتين (حي يقظان وروبنسون كروزو)

إن المتأمل لدور الترجمة في القصتين يلاحظ أن الثقافة هنا أصبحت تعبيراً وإفصاحاً وبياناً عما يدور في حياة المجتمعات والشعوب من قصص وروايات، يكون للثقافة دور في نشرها وبيانها للثقافات الأخرى للاستفادة منها ومحاكاتها، فالملاحظ عندما يقرأ القصتين يجد أن التعبير لثقافة (حي بن يقظان) كقصة قد ألقت بظلالها على قصة (روبنسون كروزو) وهي كالتالي:

1. نجد أن اليوتوبيا (الخيال) هو ما تدور حوله القصتين، فالخيال هو ما سعت إليه الثقافات قديماً وحديثاً في بحثها عن حياة أفضل ومجتمعات مثالية لا يكدر صفوها متاعب الواقع وظلم واستبداد أهله وهو ما حصل في زمن ابن الطفيل حيث كانت طبقة الفقهاء المسيطرة على رأي السلطة مما دعاها إلى تجريم وقتل كل من يترك المجال لعقله في بحث أمور الشرع والنص مما دعا ابن الطفيل إلى الهرب إلى  الخيال والتعبير عنه في مراده، وكذلك هرب ديفو إلى الخيال بعيداً عن ظلم الكنيسة الإنكليزية للتعبير عما يدور في نفسه ليأمن من المطاردة والظلم.

2. كذلك العزلة هي التعبير الواضح في قصة “حي بن يقظان” وروبنسون كروزو”، حيث في العزلة يجد ابن الطفيل مراده في تمجيد الفردية والدعوة إلى الطهارة، وكذلك حصل لروبنسون في جزيرته حيث الصوم والصلاة وقراءة الكتاب المقدس، وهذا التعبير في كلا الثقافتين يعبر عن أن العزلة ميل موروث تغذية مبادئ الفن والحماسة وغيرها في سائر الثقافات.

3. النجاح في كلتا القصتين في التكييف والتأقلم مع الطبيعة مما يعطين انطباع وتعبير واضح أن الإنسان في كل الثقافات يمتلك المؤهلات والأدوات لتجعله يعيش ولوحده في طبيعة منعزلة ويستطيع أن يسيطر ويتحكم بها وكأنه سيد هذه الطبيعة المتفردة.

4. إن الموروث الديني في ثقافة ابن الطفيل عبر عنه في قصته بالعناية الإلهية لذلك المولود حتى وصل إلى مرحلة الاتحاد والاتصال بالخلق، وكذلك الموروث الديني المشاهد في روبنسون كروزو حيث للديانة المسيحية أصول في العناية الإلهية وهي التي نجت روبنسون ورعته في جزيرته.

5. إن التعبير عن التجربة والملاحظة كوسيلتين للتكييف والبقاء يلاحظ في كلا القصتين لحياة “حي بين يقظان” و”روبنسون كروزو”.

6. ومن تعابير ثقافة ابن الطفيل أن بطله (حي بن يقظان) استغرق في تأملات دينية مدة طويلة في حياته وكذلك (روبنسون كروزو) وجد الوقت للتأمل العقلي والروحي إلى أن وصلا البطلين إلى صفاء روحي فريد.

7. كما أن البناء الفني وغرابة الموضوع والفكر إضافة إلىالحبْكَه المتقنة في توالي الأحداث وتنظيمها هو النسق الواضح في الروايتين.

ويتبين لنا أخيراً أن رواية ابن الطفيل قد أحدثت تأثيراً تعبيرياً على رواية دانيال ديفو في إطار القصة الكاملة وتفصيلاتها الفرعية وهذا شاهد كبير عن أن الثقافة تمثل تعبيراً عن حياة الأمم والشعوب، وتلقي ظلالها وتأثيراتها على حياتهم وظروف معيشتهم المختلفة.

اضافة رد

You must be تسجيل الدخول مرحلة ما بعد الرد

تسجيل الدخول

المواضيع