فلسفة العقل العربي

Posted by admin On January - 11 - 2011

 

 العقل العربي 

تأليف

محمد عبد الله العتيبي

(يناير – 2005)

(لا خير في علم بلا عقل)… الشعبي

(لقد وجد العقل لدى الإنسان على الدوام ولكن ليس بصيغة عقلانية) …. ماركس  

المقدمة  

العقل العربي هو ما يحمله العقل العربي من آراء وأفكار، وتصورات، حول ذاته، وأمته، وواقعه والعالم أجمع، بالإضافة إلى المبادئ والقواعد العقلية التي توجه نشاطه وحركته وفاعليته.

فالعقل العربي عقل مبدع ومكتشف ومفكر، والأمة التي تحمله أمة لا يستهان بقيمها وتراثها الفكري والمادي، وهذا ما ينبغي أن نستلهمه إذا كنا نريد الصواب في الحكم على العقل العربي، وللأسف أنه عند الحديث عن العقل العربي؟ نجد أن الكثير من الزملاء وهم الصفوة والنخبة في نظري يقولون أين العقل العربي وبعبارة إحدى الزميلات هو فيه عقل عربي؟

هذا كلام الزملاء (المثقفين)؟ فكيف الحال بإنسان الشارع البسيط.

نعم هناك عقل عربي أبدع واكتشف وأسس حضارة، وشيد مدينة مزدهرة، دامت لقرون عديدة في الشرق والغرب على حد سواء، إلا أنني لا أنكر أنه كانت هناك عصور انحطاط وجمود نتيجة ظروف خارجية وداخلية على الأمة العربية، من استعمار وحروب وخيانة وتجهيل وتهميش، إلا أن العقل العربي استيقظ في أطوار وخبأ في أطوراً أخرى، فلا يحق لنا أن نعمم الجهل والجمود والتخلف ونلصقه في العقل العربي وأستاذنا الدكتور إبراهيم ناصر يقول (عمم تخطأ، خصص تصب) فلنعتز بتراثنا، ولنكن أكثر تفائلاً وإيجابية في عقول أسلافنا، ولا نهمش ونحقر عقولنا فنحن أحفاد الكندي وابن خلدون وابن النفيس وغيرهم من السابقين وكذك ينتمي لنا فاروق الباز وطه حسين وأحمد زويل وغيرهم الكثير، والله المستعان.


أولاً: مفهوم العقل:

أ- العقل في اللغة:

1-            إن كتب اللغة ترجع أصل الكلمة (عقل) إلى (الإمساك والمنـع) (ابن منظور، 1998).

ومن المعاني الواردة قولهم:

عقل عقلاً: أي أدرك الأشياء على حقيقتها (أنيس، 1985).

ومنهم من يقول بأن العقل أخذ من تسمية عقال الجمل وهو ما يقيد به الجمل خشية هروبه، كما أن العقل يقيد صاحبه عن الوقوع في المزلات.

2-            أما معجم وبستر (Webster) فقد أورد معان عدة لكلمة عقل تحت الكلمة الإنجليزية Mind، وهن هذه المعاني:

الذاكرة، التذكر، أو الاسترجاع. وقد تعنى ما يفكر به الشخص، أو رأيه في موضوع من المواضيع.

3-            أما المعاجم المتخصصة في التربية وعلم النفس، فتعريف مصطلح (العقل) فيها يتشعب، بين الذكاء والفهم، والقدرة العامة، والقدرات المتخصصة بالإضافة إلى القدرات الشعورية واللاشعورية.

4-            وفي القرآن الكريم، لم ترد كلمة عقل، بصيغتها المباشرة هذه ولكنها وردة بعدة صيغ منها:

عقلوه، تعقلون، يعقلون، نعقل، ويعقلها، وقد وردت فيما يقارب خمسين موقعاً من القرآن الكريم، ومعظمها تشير إلى التمييز بين الحق والباطل وإدراك الحق والباطل، على حقيقتها، وذلك من خلال التفكير في ملكوت السماء والأرض، ومخلوقات الله الأخرى، يقول تعالى:

(كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) البقرة 242

ويقول تعالى: (والنجوم مسخرات بأمره. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون).

كما أن القرآن قد أشار إلى مترادفات العقل الأخرى، فنجده قد تناولها من مثل:

(يتفكرون، يتدبرون، الحكمة)، وهذه بلا شك تؤكد الحاجة إلى الوعي والبصيرة، فيما يتعامل معه الإنسان مما يحيط به. (الطريري، 1993).

5-            ويرى العقاد بأن العقل وازع يعقل صاحبه عما يأباه له التكليف، والعقل فهم وفكر ويتقلب في وجوه الأشياء وفي بواطن الأمور، والعقل رشد يميز بين الهداية والضلال والعقل رؤية وتدبر، وهو بصيرة تنفذ وراء الأبصار والعقل ذكرى يأخذ من الماضي والحاضر. (الصاوي، 1995).

 

ثانياً: مفهوم العقل والعقل العربي في الفكر العربي الإسلامي:  

أ- مفهوم العقل:

1-                 يقول الجرجاني العقل (ما يعقل به حقائق الأشياء وقيل محله الرأس، وقيل محله القلب، والعقل كما يقول الفلاسفة، جوهر مجرد عن المادة في ذاته، مقارن لها في فعله، وهو النفس الناطقة التي يشير إليها كل أحد بقوله أنا، وقيل العقل جوهر روحاني، خلقه الله تعالى ببدن الإنسان.

2-                 ويرى الكندي أن العقل يرتبط بالإدراك، فيقول (العقل جوهر بسيط، مدرك للأشياء بحقائقها).

3-                 وقال أهل العلم: العقل جوهر مضيء خلقه الله في الدماغ وجعل نوره في القلب. وقال أهل اللسان: العقل ما ينجي صاحبه من ملامة الدنيا وندامة العقبى. (صلاح الدين، 1976).

4-                 أما ابن خلدون فالعقل عنده (ميزان صحيح، أحكامه يقينية توزن بها المعقولات، ولا دخل له بأمور التوحيد والآخرة).

ب- مفهوم العقل العربي:  

1-            العقل العربي هو منهج تفكير العرب وما ينتج عنه من أفكار وآراء ورؤى وحلول ومعالجات، وجهات نظر توصيات، وبالجملة إنتاج فكري وثقافي مدون يمكن الإمساك به وتحليله ومناقشته.

2-            العقل العربي: هو الفكر بوصفه أداة الإنتاج النظري صنعتها ثقافة معينة لها خصوصيتها وهي الثقافة العربية بالذات، الثقافة التي تحمل معها تاريخ العرب الحضاري العام، وتعكس واقعهم أو تعبر عنه، وعن طموحاتهم المستقبلية كما تحمل وتعكس وتعبر، في ذات الوقت عن عوائق تقدمهم، وأسباب تخلفهم الراهن.

3-            العقل العربي: هو أساليب الفهم والتفكير القائمة على أعمال الدماغ، وهي مقومات غير موروثة بيولوجياً، وقد تتعرض عبر الزمن إلى تطورات يختلف مدى سعتها، وعمقها وثباتها، كما أن هذه المقومات هي سمات عامة يتسم بها أغلب الناس، ولا تمنع من ظهور أفراد وجماعات مبدعين لا يتسمون بتلك السمات، وإنما يعملون على سبل في التفكير تخالف ما اعتاده الناس، وتحتفظ هذه السمات بظواهرها في المجتمعات المستقرة البعيدة عن المؤثرات الخارجية، وتختل عند فقدان الاستقرار أو التأثر بالتيارات الأجنبية. (الخلفات، 2002).

وهناك تعريف للعقل العربي قد يكون من وجهة نظري جمع فأوفى هو التعريف التالي:  

العقل العربي: هو ما يحمله العقل العربي من آراء وأفكار وتصورات حول ذاته وأمته، وواقعه والعالم أجمع، وكل قضايا الحياة اليومية، ذات الطابع الفردي أو الجماعي، مهما كانت الثقافة التي كونته، سواء كانت أصيلة أو مستوردة. بالإضافة إلى المبادئ والقواعد العقلية، التي توجه النشاط، والحركة والفاعلية سواء تم ذلك بشكل شعوري، أو لا شعوري (الطريري، 1993).

ثالثاً: العقل والثقافة:

إن العقل البشري يتحدد ببيئته الثقافية الاجتماعية الطبيعية، لذلك فقد أولى الباحثين أهمية لدراسة تلك البيئات لما يرون لها من تأثير بارز على برمجة العقل وبنائه.

فقد وجد أن مصادر ومنابع بناء العقل وبرمجته ترجع إلى البيئة (الاجتماعية، والثقافية، والطبيعية)، حيث منها يتلقى الفرد خبراته ومهاراته وتجاربه فضلاً عن إرثه الحضاري والمادي والذي يلعب دوراً كبيراً بنيته العقلية وتفكيره.

إن عملية البرمجة العقلية تبدأ من المنزل، وتشمل الشارع، الحي، المدرسة، الأقران، مكان العمل، ومن ثم المحيط الاجتماعي بصورته الشاملة، أو العامة، بما فيها من وسائل إعلام، مراكز ثقافية، اجتماعية كالمساجد والنوادي، المسارح، الجمعيات، وغيرها (الطريري، 1993).

وعليه يمكن القول: إن الثقافت المختلفة تمثل برامج عقلية مختلفة، في العمق والسطحية، وذلك لما تتمتع به كل ثقافة، من عناصر غنية أو فقيرة.

وما من شك في أن غنى وفقر هذه العناصر الثقافية سينعكس على الطريقة التي يفكر بها الأفراد، وكذا الطرق التي يعبرون بها عن مشاعرهم بالإضافةإلى كيف يسلكون ويتصرفون في مواقف الحياة المختلفة ولا غرابة في أن يكون ذلك واضحاً في مواقف الخوف، والغضب، والحب، والفرح، والحزن، وإقامة العلاقات مع الآخرين، ومن ثم التعبير عن الذات بشكل عام (الطريري، 1993).

رابعاً: العوامل المؤثرة في العقل العربي:-

1- عوامل البيئة الطبيعية

حيث يوجد تفاعل دائم بين الإنسان وبيئته الطبيعية، بمكوناتها الفيزيقية والكيماوية والحيوية.

ويظهر أثر هذا التفاعل في تكوين الإنسان: الجسمي، والنفسي، والاجتماعي والثقافي، والاقتصادي والسياسي.

فلقد كان للبيئة الطبيعية التي عاش فيها العربي قديماً أثر واضح على ثقافته وعقله حيث أن معيشته البدوية هي التي كانت سائدة في جزيرة العرب، وإن كانت هناك أصقاع متمدنة، فيما وصل إلينا من أن هناك تقدم حضاري وعمراني، (خاصة ما وصل إلينا من تاريخ اليمن وشمال الجزيرة العربية، وهناك نصوص مدونة تدل على معرفة العرب بأدوات الكتابة وقدرتهم على استخدامها، كما أن هناك نصوص تدل على الكتاتيب ودور التعليم في جزيرة العرب) (ناصر، 2004).

وكلما أوغلنا في القدم نلاحظ خضوع الإنسان للبيئة يزاود، كما نلاحظ أن فرص بقائه تزداد بعدئذ بمقدار تكيفه معها أو تكييفه لها. وأن الإنسان تمكن بعد ذلك من اختراع الأدوات (التكنولوجيا) وطورها حيث أدى اختراعه وتطويره للتكنولوجيا شكلاً من أشكال السيطرة والتكيف مع البيئة الطبيعية (عايش، 1998).

2. الثقافات المعاصرة للعرب:-  

اتصل العرب بالثقافات القديمة مرتين: الأولى قبل الإسلام، والثانية بعد الإسلام حيث كان للاتصال بهذه الثقافات أثراً على العقل العربي من حيث سعة إدراكه واكتسابه للخبرات والتجارب من تلك الثقافات المعاصرة له والتي احتك فيها، بما في ذلك اليهودية والمسيحية، وقد كانت التجارة أو التبعية أو التبشير أو الحرب هي وسائل الاتصال الأكثر شيوعاً.

فمثلاً:

أ- الثقافة الفارسية:

كان من أبرز نتائج اتصال العرب بالفرس، واحتكاكهم بهم إذكاء الروح العربية والأدب العربي (الحربي)، واطلاع العرب على المجوسية، والوثنية، والزرادشتية، حيث نبغ من الفرس رجالاً خدموا العقل العربي وساعدوا على بنائه.

ب- الثقافة الهندية:

اتصل العرب بالهند عن طريق التجارة فقد كانوا ينقلون السلع الهندية، كالسيوف والبهارات والعطور والبخور والثياب.

ولقد تمثل الأثر الثقافي الهندي في العقلية العربية بالتعاويذ والسحر لشفاء المرضى، والتصوف، والتثليث وعقيدة تناسخ الأرواح.

ج- الثفقافة الرومانية:

لقد أثر الرومان على العقل العربي بنشر الديانة المسيحية، وتعليمهم الأساليب الحربية، وصنع الأدوات العسكرية.

د- الثقافة اليهودية:

يبدوا أن أثر اليهود في العرب قبل الإسلام وإن كان ضئيلاً من الناحية الدينية إلا أنه كان كبيراً من الناحية الساسية، فقد استخدم اليهود سياسة فرق تسد بين القبائل العربية، كما كان كثيراً من الناحية الاقتصادية، فقد اشتغل اليهود في الزراعة والتجارة والصناعة وفي الحدادة، وصنع الأسلحة، كما تعاملوا بالربا الفاحش وعلموه العرب. (عايش، 1998).

3- الأيدلوجية (الدين):

فلو أخذنا الإسلام على سبيل المثال، لوجدنا أن الإسلام يدعو إلى وحدانية التفكير ويوجه العقل نحو شيء واحد هو (الله تعالى) الذي هو مصدر الخلق، والرزق وأهل العبادة، وما من شك أن في مثل هذا التوجيه، سيكون من نتائجه قطع أسباب التشتت والتذبذب الذهني، وكذا الصراع النفسي الذي يمكن أن يحياه الإنسان، إذا هو عاش في بيئة، يقوم دينها على تعدد الآلهة (الطريري، 1993).

كما كان للاسلام أثران كبيران في عقلية العرب من ناحيتين مختلفتين:

* الأولى: ناحية مباشرة وهي تعاليمه التي أتى بها مخالفاً عقائد العرب.

الثانية: ناحية غير مباشرة، وهي أن الإسلام مكن العرب من فتح فارس ومستعمرات الروم، وهما أمتان عظيمتان تملكان أرقى مدنية في ذلك العهد، فكان من أثر الفتح وضع البلاد وما فيها من نظم، وعلم، وفلسفة، تحت أعين العرب فتسربت ميدنيتهما إلى المسلمين، وتأثرت بها عقليتهم (عايش، 1998).

4- اللغة:

واللغة كأحد ركائز الثقافة أو الحضارة يتضح دورها في التأثر على البنية العقلية، من خلال علامات اللغة، وحروفها ومن خلال مفراداتها وبيانها وآدابها، وما يمكن أن ينتج عنها قصص وشعر وفنون.

5- الكريزما (البطولية):

إن واقع بعض الثقافات، يؤكد أنها تعمد إلى إيجاد بطل قومي أو اجتماعي تحاط سيرته بهالة من البطولات، والقصص والحكايات التي تبين حكمته أو شجاعته، بحيث يحكم هذا البطل على عقول الناس ويكون لهم قدوة في سيرته ونمط حياته، وما ذلك إلا لتمكين الثقافة أو الحضارة في عقول الناس، وقلوبهم، ومن ثم التأثير على سلوكهم، من خلال هذا الرمز البطل.

6- الثقافة الغربية:

اتصل العرب بأوروبا الحديثة بالتجارة، والبعثات والتبشير والحروب، والاستعمار الأوروبي لبلادهم، ولقد أخذ التمايز يتبلور في القرنين، الثامن عشر والتاسع عشر، بتحرك أوروبا إلى الأمام وبتراجع المجتمع العربي إلى الوراء، نتيجة للحكم العثماني الطويل والمتخلف. وفي أواسط القرن التاسع عشر، وبعد أكثر من ألفي سنة من الاتصال الثقافي بين العرب وأوروبا أصبح الموقف بينهما كالتالي:

أ‌-                                        لاحظ الأوروبيون أن ثقافة المجتمع العربي تشبه من حيث التخلف والسكون ثقافتهم في العصور الوسطى.

ب‌-                                   كما لاحظوا غياب المقدمات التي جعلت أوروبا تشق طريق التقدم فاعتبروا المجتمع العربي متخلفاً.

ج- اعترف المجتمع العربي بتفوق أوروبا عليه في كثير من الميادين، وبخاصة أنه رأى الصناعة أو التكنولوجيا الأوروبية للتكنولوجيا التي عرفها الشرق الأوسط وانتقلت منه إلى العالم.

د- تسربت إلى المجتمع العربي من خلال التبشير والقنوات التربوية مفاهيم غريبة مثل: المفهوم القومي، أو مفهوم الدولة القومية (Nationalism) وحق تقرير المصير (Self Determination) والالتزام الاجتماعي للدولة تجاه المواطنين (Social obligation of the state)، وهي جميعاً مظاهر للديمقراطية الحديثة.

ولما كانت الطبقة الغنية والمتعلمة هي الأكثر اتصالاً بالغرب واقتراباً منه، فقد أقبلت على السلع الغربية بنهم، مما أحدث إرباكاً ثم تقهقراً في الصناعات والفنون المحلية، وهوة واسعة بين قمة الهرم الاجتماعي وقاعدته، ولما كانت هذه الطبقة تقتني أثر الغرب في تعلمها ولباسها وأنماط حياتها وأذواقها فقد حدث تغير جذري في الاتجاهات العقلية للمجتمع العربي إذا لم يقتصر الأمر على استهلاك السلع الغريبي’ بل تعداه إلى تقليد الأخلاق والاتجاهات أيضاً (عايش، 1998).

7- الصهيونية وإسرائيل والحروب الداخلية:

لعل نجاح الحركة الصهيونية والاستعمار في إقامة إسرائيل في فلسطين في قلب الوطن العربي والأمة العربية، ونجاح إسرائيل المتكرر في إلحاق الهزيمة المنكرة تلو الهزيمة بالعرب، وتوسعها الاستيطاني الاستعماري المستمر في الأراضي العربية، من أكبر الأخطار والتحديات التي تواجهها الأمة العربية في هذا العصر، والكابوس الدائم الجاثم ليل نهار على صدرها، الذي يحرمها من الشعور بالأمن والاستقرار.

ولقد أدت الهزائم العسكرية التي ألحقتها إسرائيل بالعرب إلى تمزق العرب بدلاً من وحدتهم، ناهيك عن احتلال الكويت من قبل العراق وما خلفه من تشرذم وتفكك بين أبناء الأمة العربية، فكان ذلك الغزو بمثابة هدية لأعداء الأمة العربية قدمها صدام بأموال الأمة العربية وجهود أبنائها، وكفاحهم المستمر نحو التقدم والحرية، إذ كان ذلك له أبلغ الأثر في تشكيل عقلية من أبناء الأمة العربية تؤمن بالعنف وتتخذه وسيلة نحو تحقيق أهدافها المريبة، فضلاً عن إنتاج عقليات مريضة تشتت جهود أبناء الأمة العربية نحو الوحدة والاتحاد بين أبنائها.

كما أن أبناء الأمة العربية اختل توازنهم النفسي، والاجتماعي، والقومي، والعالمي، فلجأ بعضهم إلى مظلة التبرير، والتعويض والاسقاط والتهرب والتبذير ليدافع بها عن نفسه، ويستعيد بها توازنه المفقود، بدلاً من أن يلجأ المواطن العربي إلى العقل أو التفكير الناقد، والمنهج العلمي، والحرية والديمقراطية، كخطوة على طريق المواطهة والتحرير (عايش، 1998).

قنوات تشكيل العقل:

1- المناخ الاجتماعي العام أو البيئة العامة:  

حيث تلعب البيئة العامة دوراً حاسماً في عملية تشكيل العقل والتأثير عليه، وهذا الأمر، يتضح من الفروق الواضحة، والمباشرة، التي توجد بين المجتمعات، فهذا مجتمع منفتح على العالم والآخرين، وآخر مجتمع مغلق على  ذاته ولا يقبل الآخرين، بل يكرههم، ويمقتهم.

كما أنه يوجد مجتمع تقليدي، يحافظ على تقاليده، وأسسه الثقافية، والحضارية مهتم بها، يعني بتأصيلها، في ذوات أفراده، بينما يوجد مجتمع آخر متغير بسرعة، ولا يعطي اهتماماً بأسسه الثقافية والحضارية، بل ويكون ناقما عليها في كثير من الأحيان.

إن ما يهمنا هو التأكيد على المناخ الاجتماعي أو الجو الاجتماعي العام، وما يسود فيه، من ركود أو حركة أو إثارة، وتفاعل، ونشاط عام يسهم بشكل كبير في تشكيل عقل الأفراد، أو العقل الاجتماعي أو الجماعي (الطريري، 1993).

2- المدارس:-

حيث تعتبر من القنوات ذات الأهمية الكبيرة في تشكيل العقل والتأثير عليه، إذ من خلالها توضع البذور الأساسية لطريقة التفكير، من حيث السطحية، أو العمق، وكذا من حيث المنطقية والعملية، أو الذاتية والموضوعية.

كما أنه من خلال المدرسة، يتم اكتساب المعرفة والمعلومات، وتكوين الاتجاهات نحو كثير من قضايا الحياة، يضاف إلى ذلك تكوين نظام قيمي، وصقل المهارات في بعض الجوانب.

إن المنهج المدرسي بما يحويه من معارف، ومعلومات، وصور، وأمثلة وتمارين، يمثل حجراً أساسياً في الكيفية التي ينمو بها، ويشكل عقل الفرد مثل: احتكاك الطالب باستاذه وبزملائه، ووجوده في مناخ يعطيه حرية التعبير، والحركة والتجريب، كلها أمور ذات أهمية بالغة عند الحديث عن البناء العقلي، فقد يحدث بناءاً عقلياً سلبياً، أو مغايراً لما نريده، إذ لم نتمكن من خلق مناخ دراسي ملائم.

3. وسائل الإعلام:-

تعتبر وسائل الإعلام من أخطر القنوات التي تشكل العقل، ولا فرق في ذلك بين الصحافة والإذاعة، والتلفزيون، إذ أن جميعها ذات أثر كبير وقوي، ومؤثر في صياغة الاتجاهات، من حيث الحب والكره، والبعد، والقرب، من قضايا تعرض بشكل، أو بآخر، عبر وسائل الإعلام هذه.

فالمادة الإعلامية تحوي القرآن والأدب والنثر والحديث، والأغاني، ويمكن من خلال هذه المواد التاثيرعلى عقلية الفرد، وطريقة تفكيره.

لذا فقد أدركت بعض المجتمعات أهمية الإعلام، فوظفته توظيفاً سليماً، يخدم أهداف المجتع والأمة، على المدى القريب والبعيد، في حين أن مجتمعات أخرى وظفته لإضاعة الناس، وتكريس سفاسف الأمور، في ذواتهم، مما نتج عنه مجتمعات مفقودة الهوية، وضائعة وسط هذا الموج المتلاطم من التيارات والمدارس الفكرية المختلفة والمتنوعة (والديونات). كما أن للمسجد والشائعات والنكت والنخبة في المجتمع دور لا يستهان به من حيث التأثير على العقل.

من صور الغرب لدى بعض العقول العربية:

يكشف لنا جورج طرابيشي عن فكرة المؤامرة في الفكر العربي المعاصر، فهو يرى أن الخطاب العربي المعاصر، (خطاب مريض، مريض بالغرب)، أو بالأحرى مريض بتقدم بالغرب، ونزعته التآمرية على العرب في شتى المجالات المتاحة، ويصف طرابيشي هذا المرض (بالعصاب الجماعي العربي)، وهو ما ينكشف خلال رأي العقل العربي في بعض أفراده نحو العولمة والحداثة وهو رأي يتسم بالعناد والرفض، كما أنه ينتقد العولمة ويجدد الهجاء للحداثة.

إن الدعوة لرفض التعامل مع الحضارة الغربية بوصفها تآمرية أفضت إلى أن يعود غالبية المثففين العرب إلى استلهام التراث كاملاً، والتمسك به بهدف المحافظة على وحدة الأمة عن طريق التعلق بماضيها والاعتزاز به.

كما يقول فؤاد زكريا أن كلمة الغرب لدى بعض أوساطنا العربية مؤخراً أصبحت مرادفة لكلمة (شيطان)، فهو يقر بوجود تراث عربي وإسلامي طويل من الشك في هذا الغرب استناداً إلى أنه صانع العذاب العربي من خلال الاستعمار والهيمنة التي فرضها على العالم الإسلامي بشتى الأساليب (الخلفات، 202).

ويرجع طرابيشي رفض العقل العربي للحضارة الغربية والذي وصفه بالمقت إلى أمرين هما:

الأول: الاعتبار العربي القائل بأن الحضارة ينبغي أن تبقى وقفاً على الأمة التي أبدعتها ومحصورة النطاق الجغرافي في الأمم التي أنجبتها.

الثاني: وجود بدائل ممكنة للحضارة الغربية، وهي متاحة للعقل العربي، ومنها تلك التي حاولها غاندي Gandhi في الهند، ولينين lenin  وستالين Stalein في روسيا، وماو Mau في الصين، ويعتبر طرابيشي أن هذين الأمرين يقومان على جهل مزدوج بقانون الحضارة وقانون الحداثة.

ويقصد طرابيشي بقانون الحضارة نزوع الحضارة الدائم إلى تجاوز النظام الجغرافي للأمة التي أبتدعتها، وميلها شبه القهري إلى تعميم نفسها على أوسع جناح ممكن من المحيط.

واعتقد أن الحضارة الغربية لا يصدق عليها ذلك لأنها حضارة الاتجاه الواحد أي المسيطر والغالب وإنما يصدق ذلك على الحضارة العربية الإسلامية.

من صورة العقل العربي في الفكر الغربي المعاصر:

يقول الكاتب الإنجليزي (جون لافين)  Jhon Lafin مؤلف كتاب (العقل العربي تحت الفحص)، هو أن أهم صفة تلصق بالعرب هي صفة العنف حيث يقدم المؤلف ما يثبت في رأيه وجود جذور تاريخية قديمة لهذه الصفة، مضيفاً أن هدف العرب من صراعهم مع الإسرائيليين هو تصفية إسرائيل وإبادتها، وبمعنى أن العرب ينزعون إلى العنف بطبيعتهم، وبحكم تراثهم وتاريخهم.

وكذلك يتصف العرب حسب قول لافين بالكذب، فهو يقول إن العربي ليس كذاباً بدافع الشر، وليس كذاباً متعمداً، وإنما هو كذاب بطبعه، كما يشكل العربي خطراً على المرأة فهي موضع للعنف الجسدي والجنسي، كما يرى أن العرب يفتقر إلى الضخصية الفردية، بمعنى أن الفرد لم يشهد استقلاله الشخصي بعد عن أسرته، وذهنه غير مستقل أيضاً، (الخلفات، 202).

ويقول (بول كنيدي) صاحب كتاب (الاستعداد للقرن الحادي والعشرين) أن معظم الدول العربية والإسلامية لم تستعد بعد للقرن الحادي والعشرين، لأنها لم تصل بعد إلى القرن التاسع عشر، ويشير إلى أن هناك انقساماً في الأنظمة في العالم الإسلامي، وأن الدول العربية أكثر المناطق تأثراً بقضايا الصراعات والانقسامات والحروب.

والحقيقة أن الغرب في أحكامه على العرب وغيرهم لا يتوخى الموضوعية والمصداقية والنزاهة، في كل حين وكل موضع، إنما يطرح الرأي الذي يهدف من ورائه تحقيق مآرب باطن غير معلن (الخلفات، 2002).

إيجابيات العقل العربي:

إن العروبة ليست عرقاً ولا نسباً، وإنما هي لغة وآداب وتاريخ وتكوين نفسي وولاء وانتماء، وذلك كله إنما يكتسب إكتساباً، وليس أمره مرهوناً بالتوارث المحكوم بنقاء الدم وصفاء الأصل واتصال شجرة الأنساب.

وقد نتج عن ذلك كله حضارة مزدهرة يانعة تزاوج فيها الدين والعلم والفلسفة والأدب، والتحم فيها العربي والفارسي والرومي والمصري والهندي وتولت قيادة العالم المتحضر قروناً طويلة وعصوراً مديدة وأحقاباً متجددة متعاقبة (مرحبا، 1994).

إن من إيجابيات العقل العربي هو المحافظة على التراث اليوناني من الضياع والفساد في وقت انحطاطه وأضمحلاله، فقد ترجم العرب كتب اليونان في الفلسفة والمنطق والرياضيات، ولم يكتفوا عند النقل فقط بل أضافوا علوماً جديدة واكتشفوا أفكاراً علمية وتطبيقية في الفلك والطب والقانون والرياضيات والهندسة، كذلك يضاف لرصيد العقل العربي التسامح والتعايش مع الثقافات الأخرى، فلا يؤثر في التاريخ القديم ولا حتى الحديث أن إنسان عربي صاحب عقل ينتمي لأمته وعروبته وإسلامه أن سواء كان حاكم أو محكوم أن مارس العداء والعنف ضد الثقافات والديانات الأخر، ولا ريب كذلك في أن العقول العربية عقول مبدعة ومفكرة وتستطيع أن تقدم الكثير خصوصاً إذا وجد لها المناخ الملائم للابداع والابتكار وأعطيت من الإمكانيات والوسائل لفعلت المستحيل، ومن الخطأ أن نردد ما يقوله الغرب عنا أو نصدق أننا شعوباً بربرية، حيث الحاقدين من الأقلام المعادية للعرب في الغرب والذين يرفعون شعار (حماية الحضارة الغربية من البرابرة العرب)، أما البربرية الغربية في فيتنام والهند والصين وإفريقيا والعراق وفلسطين وأفغنستان فهي خدمة إنسانية، وعملية ابتزاز للشعوب واستنزاف لدمائها، ونهب لخيراتها وتركها قاعاً صفصفاً، وأمة مغلوبة مستهجنة بين الأمم.

نعم العقل العربي أصابه الجمود والانحطاط فترة من الزمن لأسباب الفساد والاستعمار والخيانة ولكن ليس من العدل والانصاف أن نسم كل تاريخ للعرب بالجمود والتخلف، فهنا نكون جانبنا الصواب، والله المستعان.

نظرة تحليلية للعقل العربي وتحديات العصر والمستقبل:

إن من أبرز القضايا التي عالجها غالبية مفكرينا تجاه (العقل العربي) التوجه نحو المستقبل، نلحظ أنهم يؤكدون أن العقل العربي يفتقد إلى التخطيط نحو المستقبل والتأهب له.

فالتفكير في المستقبل أو التخطيط بالنسبة للعقل العربي يرتكز أساساً على أن المستقبل شيء مجهول، فلا داعي للبحث فيه والخوض في تفاصيله، لذلك يقال في المثل الشعبي، (عيش يومك)، أي أنظر إلى وقت الحاضر فقط ولا تفكر في المنستقبل وغيرها من الأمثال الكثير، حيث تدل على إهمال المستقبل وعدم الخوض فيه.

حيث نجد أن غالبية الدول العربية غنية كانت أم فقيرة على حد سواء لا تفتقر إلى الدراسات ذات الاتجاه المستقبلي فالباحاثون والاخصائيون يقدمون للمسؤولين بلا انقطاع كثيراً من الأبحاث والتقارير ولكن الفجوة تظل قائمة بين البحث التخصصي والممارسة الفعلية للمجتمع، ودلالة ذلك أن الكثير من الدول العربية ليست لديها وزارة تخطيط وإذا كانت لديها وزارة للتخطيط لم تكن لها أي فاعلية، لأن النمط السائد لدينا في العقول العربية هو تسكين المشكلات بدلاً من إيجاد الحلول الناجحة لها.

وضعف النظر للمستقبل يرجع للأسباب الدينية مثل التواكل والإيمان بالمكتوب دون بذل السبب، والنظرة المقدسة للماضي والداعية إلى إحيائه فقد دون الرجوع إلى غيره من حضارة الغرب، وكذلك عامل البيئة وتأثيره في الحياة الاجتماعية، ذلك لأن البيئة الاجتماعية إما صحراوية وإما زراعية وفي كلتا الحالتين يكون التغيير صعباً وبطيئاً، وانعدام الثقة في تلك الوعود التي تقدمها أنظمة الحكم، كذلك يعتبر عائقاً أمام التطلعات المسقبل، مثل إصرار بعض الحكومات على تجهيل الشعوب للاستنزاف مقدراتها وخيراتها.

 

المراجع:

–                   القرآن الكريم.

–                   ابن منظور (1998)، لسان العرب، بيروت: دار العلم للملايين.

–                   أنيس، وآخرون (1985)، المعجم الوسيط، بيروت: دار النهضة.

–                   الخلفات، (2002)، العقل العربي في نظر فؤاد زكريا رسالة ماجستير غير منشورة الجامعة الأردنية.

–                   العقلانية في فكر إلياس مرقص، الإنترنت.

–                   صلاح الدين (1976)، العقل في الإسلام، بيروت: دار الثقافة.

–                   الصاوي، محمد وجيه (1995)، الطبيعة الإنسانية في القرآن الكريم دراسة لآراء العقاد وعائشة عبد الرحمن، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب العربي.

–                   الطريري، (1993)، إعادة تشكيل العقل العربي، بيروت دار النهضة.

–                   عايش، حسني (1998)، سياحة في العقل العربي بيروت المؤسسة العربية للدراسات.

–                   مرحبا، محمد عبد الرحمن (1994)، انتفاضة العقل العربي، بيبروت، منشورات عويدات الدولية.

–                   ناصر، إبراهيم، (2004)، أسس التربية، عمان دار عمار

اضافة رد

You must be تسجيل الدخول مرحلة ما بعد الرد

تسجيل الدخول

المواضيع