افلاطون وآراؤه التربوية

Posted by admin On January - 11 - 2011

  

 جامعة الكويت

كلية التربية

 

 

اعداد الطالبة مريم مضحي

اشراف الدكتور/محمد العتيبي
  

المقدمة

أفلاطون 427 – 347ق.م

فيلسوف ومعلم يوناني قديم يُعَدُّ واحدًا من أهم المفكرين في تاريخ الثقافة الغربية.

حياته

وُلد أفلاطون في واحدة من أعرق العائلات في أثينا، وتنحدر أمه من نسل المشرع الأثيني الكبير سولون. وكلمة أفلاطون كنية تعني ذا الكتفين العريضتين، أما اسمه الحقيقي فهو أرستوكليس.

كان أفلاطون يرغب في شبابه أن يكون رجل سياسة. وفي عام 404 ق.م، نصَّب مجموعة من الأثرياء أنفسهم حكامًا مستبدين على أثينا، ودعوه للانضمام إليهم إلا أنه رفض لاشمئزازه من ممارساتهم القاسية اللاأخلاقية. وعندما أطاح الأثينيون بالحكام المستبدين في عام 403ق.م. وأقاموا حكومة ديمقراطية أعاد أفلاطون النظر في الدخول إلى ميدان السياسة، لكنه تراجع عن ذلك بعد الحكم بإعدام صديقه سقراط في عام 399 ق.م. وبعدها غادر أثينا في أسفار امتدت عدة سنين.

عاد أفلاطون إلى أثينا عام 387ق.م حيث أسس مدرسة للفلسفة والعلوم عُرِفَت باسم الأكاديمية، وكان الفيلسوف الشهير أرسطو أبرز تلاميذه.

أشهر مؤلفاته

المحاورات( المحاورة محادثة بين شخصين أو أكثر) وقد اهتمت محاورات أفلاطون باستعراض ونقد الآراء الفلسفية، حيث كانت شخصيات محاوراته تتناول المسائل الفلسفية وتتجادل حول الجوانب المتعارضة لموضوع ما, وقد تميزت المحاورات بقيمة أدبية عالية إلى الحد الذي جعل الكثيرين من العلماء يعدون أفلاطون أعظم من كتب بالنثر في اللغة اليونانية وواحدًا من أعظمهم في أي لغة أخرى.

المحاورات المبكرة هيمنت شخصية سقراط على المحاورات المبكرة، حيث يظهر فيها كشخصية رئيسية,وفي هذه المحاورات يسأل سقراط الناس عن أشياء يدَّعون معرفتها ويدَّعي هو الجهل بها, ومن خلال الحوار يوضح سقراط أن هؤلاء الناس حقًا لا يعلمون ما يدَّعون معرفته, لا يعطي سقراط إجابات عن الأسئلة، لكنه يكشف أن الإجابات التي تقدمها الشخصيات الأخرى ليست كافية.

المحاورات المتأخرة, وتضم هذه المحاورات الجمهورية, السوفسطائي,ثياتيتوس (نظرية المعرفة).

ويستخدم أفلاطون في هذه المحاورات شخصية سقراط كمجرد متحدث باسمه هو ذاته، حيث تنتقد شخصية سقراط آراء الآخرين وتقدم نظريات فلسفية معقدة. وهذه النظريات ترجع في حقيقتها إلى أفلاطون وليس إلى سقراط.

أفلاطون ورؤيته التربوية

تناول أفلاطون في في كتابه ( الجمهورية ) كثيراً من القضايا الهامة ، أنه استقاض في الحديث عن نظريته السياسية وأنواع الدولة وعرض لمذهبه الأخلاقي ، فجعل الفضيلة محوراً رئيسياً فيه  ، وشرح نظرية امثل في إطارها الميتافيزيقي ، فكشف عن علاقاتها البنوية بما هو سياسي وأخلاقي وجمالي وتربوية .

وفي جميع الأحوال تبقى النفس البشرية موضوع ( الجمهورية ) الأساسي ، وما يريده أفلاطون للنفس البشرية هو بلوغ السعادة ولا فوز بالسعادة إلا بتحقيق الفضيلة ، ولا تتحقق الفضيلة إلا بالتربية السليمة ، وفي السبيل إلى تحقيق التربية السليمة لابد من منهاج تربوي شامل وفاعل ومتكامل ، وهذا ما حاوله الرجل في كتابه الشهير باسم ( جمهورية أفلاطون ) ، فما هيس خصائص المنهاج الذي رسم أفلاطون ملامحه في الجمهورية ؟

أفلاطون والجمهورية :

من هو أفلاطون ؟ ولماذا ألأف كتاب ( الجمهورية ) ؟

عاش أفلاطون على الأرجح بين عامي (428-348 ق.م) ، وهو ينسب من ناحية أبيه أريستون إلى كودوروس آخر ملوك أثينا ، وتمنى أمه بركتبيوني إلى أسرة عريقة ، وكان مخلصاً لأسرته الأرستقراطية ، وقد أدى انتصار إسبارطا على أثينا في نهاية الحروب البلوبنيزية (431-404ق.م) إلى أنتصار الحزب الأرستقراطي ، كون هذا الحزب حكومة ارتكبت الفظائع ، فنشبت ثورة أطاحت بها عام (403ق.م) ، وحكمت على سقراط بالموت ، وقتلت كثيرين من أنصار الأتجاه الأرستقراطي ، وكانوا في معظم من أقارب أفلاطون وزملائه في حلقة سقراط .

وفي عام (399 ق.م) اضطر أفلاطون إلى الرحيل من أثينا ، واستقر به المقام فترة من الوقت في مدينة تارنتوم ( جنوبي إيطاليا ) ، وكان الحاكم في تارنتوم هو ارياضي الفيثاغورثي المشهور أرخوطاس ، وقد رحب بأفلاطون ، وقدم له ما يريده من عون ، وكان أرخوطاس حاكما ومعلماً وقائدا عسكرياً في آن واحد ، ويبدوا أن أفلاطون وجد فيه أنموذجاً للحاكم الصالح الذي يجمع بين العلم والسياسة معاً ، واتذه مثالاً واقعياً للحاكم الفيلسوف الذي نصبه حاكماً مطلقاً في الجمهورية ، يتقيد بالقوانين الجامدة ، ولا يتأثر بأصوات العامة من المواطنين ، كما هو المر في النظمة الديمقراطية(1) .

ولعل من المفيد التذكير بأن الأسم الحقيقي لكتاب أفلاطون هذا هو (السياسة) ، وليس ( الجمهورية ) كما هو شائع ، ونحسب أن أفلاطون يطمح من وراء أفكاره في السياسة والاقتصاد والمجتمعات ، إلى أمرين هامين بالنسبة له :

أما الأول فهو زحزحة أنصار الاتجاه الديمقراطي عن السلطة في دولة أثينا، وأستعادة الموقع القيادي للطبقة الأرستقراطية ، وإحياء أمجاده القديمة ، ولذا نجده شديد الأهتمام بتأكيد التبرير الفلسفي للتصنيف الطبقي ، ويعتقد ذاك التصنيف أمر حتمي وطبيعي .

وأما الثاني فهو رغبته الشديدة في الأرتقاء بدولة أثينا من الحضيض الذي انتهت إليه ، وذلك إثر انتصار إسبارطا الساحق عليها في الحروب البلوبنيزية، وإلتزامها بشروط استسلام مهينة ، وتجريدها من كل أسباب القوة والهيمنة .

ويبدو أفلاطون معجباً بالنظام الأرستقراطي الأوليجاركي الحاكم في دولة إسبارطا، وقد أعتقد أن نظام التربية المتبع في إسبارطا هو الذي مكنها من امتلاك أسباب القوة ، وما من عجب إذا حاول أن ينسج على منواله في الجمهورية حيناً ، ويبتكر ما يحقق التفوق عليه أحياناً أخرى (2) ، ودعونا نتفحص المنهاج التربوي الأفلاطوني ، ترى ما هي خصائصه ؟

 

رؤية أفلاطون التربوية:

ينطلق أفلاطون في منهجه التربوي من رؤية شمولية متماسكة البنى ، إنه لا يحصر تفكيره في الأهداف التربوية وطرائقها ووسائلها ، وإنما يركز بادئ بدء على طبيعة الطفل موضوع التربية ، ويتناول المسألة من الجذور ، وتحديداً من قبل الزواج ، فيقول : ”  فإن كنت كشروعاً ، فعليك أن نختار للرجال الذين انتقيتهم أقرب النساء إلى طبيعتهم ” (3) .

ولماذا لا ؟ فنحن إذا كنا ممكن يقتني الخيل وكلاب الصيد والطيور الأصيلة ، أفلا نحرص على أن يتناسل أصلحها فحسب ؟ وهل نفعل ذلك إلا هرباً من تدهور أنواعها ؟ إذا لابد من الحرص على ” أن يتزاوج هذا النوع الرفيع من الجنسين على أوسع نطاق ممكن ، وأن يتزاوج النوع الدنى على أضيق نطاق ممكن ” (4) .

هذا ، وإن إنجاب الأطفال يجب أن يتم بوساطة أناس ناضجين ، ولمدة المعتادة لهذا النضوج هي عشرون عاماً للمرأة ، وثلاثون عاماً للرجل . ” وإذا حاول رجل أن ينجب أطفالاً للدولة قبل هذه السن أو بعدها ، فنتهمه بأنه آثم ” (5) ، لأن على الرجال الصفوة النافعين للدولة أن ينجبوا أطفالاً أنفع لها منهم .

وإذا كنا نريد أن نحتفظ المجتمع بأصالته فلابد من تربية أطفال النوع الرفيع من الأزواج والزوجات ، وإهمال النوع الدنى ، ويبقى ألا يعلم أحد غير الحكام سر هذا الإجراء . ” أما أطفال المواطنين الأقل مرتبة ، وأولئك الذين يولدون وفي أجسامهم عيب أو تشويه فعليهم أن يخبئوهم في مكان خفي بعيد عن الأعين ” (6) .

التربية البدنية والجمالية :

يتوزع منهاج أفلاطون التربوي على ثلاث مراحل ، وتناظر المرحلة الأولى منها مرحلة التعليم الابتدائي والإعدادي في عصرنا ، وهي تنتهي في سن العشرين من العمر . إذ يعهد بالأطفال من الولادة إلى هيئة تتولى شؤونهم ، وتتألف تلك الهيئة التربوية من الرجال فقط ، أو من النساء فقط ، أو منهما معاً ، ومهمتها الحرص على تربية الأطفال تربية بدنية وروحية متوازنة من غير أن يطغى جانب على آخر .

أما التربية البدنية فتتمثل في تدريب الجسم على التحمل وتحقيق الصحة والقوة للفرد ، وذلك عن طريق تدريبه على الرياضيات البدنية المختلفة ، وتنظيم غذائه ، وتعليمه ركوب الخيل ، وإكسابه القدرة على

العيش في ظروف قاسية .

وبما أن الهدف الجوهري للإستراتيجية التربوية في الجمهورية هو إعداد الفرد لأن يكون محارباً كاملاً ، فمن الواجب أن يصحب الرجال والنساء الذاهبون إلى القتال أطفالهم معهم ” حتى يتعلم هؤلاء هذه الحرف .. بأن يلاحظوا ما يتعين عليهم أن يقوموا به عندما يشبون ، وليس لهؤلاء الأطفال أن يكتفوا بالمشاهدة ، بل عليهم أن يكونوا رسلاً ومساعدين في كل ما يتعلق بالحرب ” (7) .

وأما التربية الروحية فقد شاء لها أفلاطون ان تكون جمالية الطابع ، والمادة الأساسية لهذا النوع من التربية هي الموسيقا ، ولا سيما تلك الموسيقا المصاحبة للشعر . وما يهم أفلاطون هو إعداد الإنسان المتكامل ، لذا على المحارب أن يجمع بين الشجاعة والإقدام من ناحية ، واحس الجمالي الرقيق من ناحية أخرى ، لأن ” أولئك الذين لا يعنون إلا بالموسيقا وحدها تكون فيهم نعومة غير مستحبة ” (8) .

ويشتمل المنهاج التربوي في هذه المرحلة على دراسة القراءة والكتابة ، واستخدامها في حفظ الشعر ، هذا إلى جانب تعليم الأطفال معلومات تمهيدية ومحدودة حول الرياضيات .

التربية العلمية والفكرية :

تماثل المرحلة الثانية في منهج أفلاطون التربوي ، ما نسميه المرحلة الثانوية والجامعية ، وتقع بين العشرين والثلاثين من العمر . ومحور التعليم في هذه المرحلة هو الرياضيات . والحق أن أفلاطون شديد الحماسة للرياضيات ، فهو لا يقبل من لا يجيد الرياضيات تلميذا في الأكاديمية ، ولا يعني هذا أن الرياضيات كانت في منهجه غاية في حد ذاتها ، وأن نظرته إليها ذرائعية في جوهرها ، هدفها الاستعانة بالرياضيات على تكوين الطبع الفليفي في النفس ، وتحويل الذهن من الاهتمام بالمحسوسات إلى الاهتمام بالمعقولات.

إن أفلاطون يسخر منهجه التربوي لبناء مواطن منموذجي يكون محارباً وفيلسوفاً في آن واحد ، ولكن يكون كذلك  إذا لم يجمع بين قوة الجسم ، وقوة الإرادة ، وقوة الفكر وجمال الفضيلة . وبعد أن أبدى اهتماماً واضحاً في المرحلة التربوية الأولى بالجوانب الجسمية والجمالية يرى من الواجب الارتقاء بالمستوى التربوي ، والاهتمام بالجوانب الفكرية أيضاً .

وأكثر الوسائل نجاحاً لتحقيق القوة الفكرية هي الرياضيات ، وكل ما يتعلق بها من علوم العدد والحساب والهندسة والفلك . وكيف لأفلاطون أن يهمل هذه العلوم ؟ فعلم العدد والحساب ” علم لا غناء عنه في كل صناعة وكل علم آخر ” (9) . أضف إلى هذا أن دراسة العدد والحساب ” ضرورية للمحارب من أجل تنظيم الجيشئ ، وللفيلسوف أيضاً ، لكي يصب إلى الوجود الحق ، ويعلو على عامل التغير ” (10) . ومن الضروري ملاحظة ” أن الموهوبين في الحساب يفهمون بسرعة كل العلوم تقريباً ، وأن الأذهان البطنية الفهم إذا ما درست الحساب تغذوا أسرع فهماً ” (11) ؟

وماذا عن الهندسة ؟

يرى أفلاطون أن الهندسة ” تنفعنا بقدر ما تتصل بالعمليات الحربية ، إذا أن قدرة القائد على إقامة المعسكرات ، والتحصن في المواقع المنيعة ، ونشر جيشه أو تركيزه ، … كل هذا يتوقف على مدى علمه بالهندسة ” (12) أما علم الفلك فإنه ” يدفع النفس إلى تأمل ما هو أعلى ، والانتقال من الموجودات الدنيوية إلى السماوية ” (13) .

ولا يرضى أفلاطون مطلقاً بتناول مبتوراً أو متسرعاً سطحياً ، لأن الأهداف المرجوة من وراء تعليمها لن تتحقق في هذه الحال ، ومن الضروري ” أن نحرص على ألا يدرس تلاميذها هذه العلوم دراسة قاصرة ، دون أن يصلوا إلى المستوى الرفيع الذي ينبغي أن تسعى إليه كل معارفنا ” (14) .

التربية العليا ( الديالكتيك ) :

هذه المرحلة هي الأخيرة من مراحل التربية في منهاج أفلاطون ، وتوازي ، في نظامها التعليمي الحديث ، الدراسات الجامعية العليا ، وتبدأ من سن الثلاثين، وتنتهي في سن الخمسين ، ويسمى أفلاطون هذا الطور من التربية باسم (الديالكتيك ) ، وقبل معرفة ما يقصده أفلاطون بـ ( الديالكتيك ) ، دعونا أولاً التخيل . وثانياً الاعتقاد . وثالثاً الفهم ، ورابعاً العلم . والمستويان الأول والثاني ظنيان ، وموضوعهما عالم التحول . والمستويان الثالث والرابع عقليان . وموضوعهما الوجود (15) .

والديالكتيك ، حسبما يذكر أفلاطون ، وهو قمة العلوم وتاجها ، ولا يوجد علم آخر يستحق مكانة أرفع منها ، و ” يصل المرء إلى قمة العالم المعقول بالديالكتيك ، عندما يكف عن الالتجاء إى أية حاسة ومن حواسه ، ويبلغ بالعقل وحده ما هية ، ولا يكف عن سعيه حتى يدرك بالفكر وحده ماهية الخير ” (16) .

وعالم الديالكتيك الذي يطمح أفلاطون إلى تكوينه من خلال منهجه التربوية ما هو إلا الفيلسوف ، إنه ذاك الذي لا يحب المعرفة الظنية ، بل يتعلق في كل الحوال بحقائق الأشياء ، ويمتاز بالسمو العقلي والأخلاقي ، وهو الذي اختبرت قدراته بدقة في ميادين تحمل الشدائد ، والتجريد الرياضي ، والتأمل الفلسفي ، ومن ثم فهو وحده القادر على إدارة دفة الدولة بكل حكمه ونزاهة .

وعلم الديالكتيك ( الفلسفة ) شديد الخطر بقدر ما هو كثير النفع ، لذا لا يفتح أفلاطون الباب على مصراعية لكل من يود الانتساب إليه ، وإنما يطالب فقط بالحذر والحيطة في اختيار المرشحين لدراسته ، وكيف لا ؟ فالفلاسفة ( علماء الديالكتيك ) هم وحدهم المؤهلون لأن تستقر مقاليد السلطة بين أيديهم في ( الجمهورية ) . وإنطلاقاً من خطورة الديالكتبك البالغة ، يحظر أفلاطون على حديثي السن ممارسته ، لأن ” المراهقين الذين تذوقوا الدياليكتيك لأول مرة يسيئون استعماله ” (17) .

وليست حداثة السن هي المحظور الوحيد ، بل يشترط أفلاطون في الوقت نفسه أن يتميز المرشح لهذه المرحلة الرفيعة من التربية بخصال نفسية وخلقية سامية ، وينبغي ” ألا يسمح بالمان على الديلكتيك إلا للطبائع المتزنة الثابتة ” (18) .

الرقابة التربوية الشاملة :

لا ينسى أفلاطون أنه يسعى إلى إنشاء دولة قوية مرهوبة الجانب ، وبناء مجتمع متماسك متفوق ينعم بالحياة السعيدة ، وهو يدرك منذ البداية أم مسعاه لن يتحقق إلا ببناء الفرد بناء متفوقاً ومتوازيا على الصعيدين الجسدي والروحي ، ولذلك رسم منهجه التربوي الدقيق الحازم ، ووزعه على مراحل متدرجة متكاملة وأكثر من الاختبارات والضوابط ، وحاول جاهداً أن يلتزم الواقعية في كل مذلك .

وتتجلى واقعية أفلاطون في أنه يأخذ ابالحسبان الاستعدادات الفطرية عند كل فرد ، ولا يهمل ما تحدثه المؤثرات الخارجية في السلوك الفردي من سلبيات وإيجابيات ، وهذا ما حمله على أن يجعل الرقابة التربوية من أهم أسس منهجه التربوي ، ويحرص على أن تكون الرقابة شاملة ، تتناول المتعلم والمعلم ، والأساليب التربوية ، والمادة التربوية .

1- الرقابة على المتعلم والمعلم :

في مجال الرقابة على المتعلم لا يريد أفلاطون أن يهدر الوقت والجهد في تربية أطفال ضعفاء أو مشوهين ، فيكون لجاناً تقوم على فحصهم وتصنيفهم ، ورأينا أنه يراعي بدقة الاستعدادات الفطرية الذهنية والنفسية للأفراد ، ويحدد على ضوئها مواقعهم في الجمهورية ، ويوجههم م ثم إلى أنواع التربية التي تتناسب وتلك المواقع .

وأما الرقابة على المعلم فقد تشدد أفلاطون فيها أيما تشدد ، وحسبما أن نقول : إن الفئة التي يسمح لها أفلاطون بممارسة علم الديالكتيك ( الفلسفة ) ، ويراها مؤهله لأن تحكم مجتمع الجمهورية ، وهي التي يصطفى منها أفلاطون المعلمين ، ويقول في ذلك : ” فمن الواجب إذا أن نختار طبائع من هذا النوع ، وأن نفضل أكثرها ثباتاً وشجاعة ، وأجملها إن أمكن ، ولكن علينا ، بالإضافة إلى ذلك ، ألا نقتصر في بحثنا على صفات الكرم والرجولة ، بل ينبغي أن نبحث عن المواهب الطبيعية الملائمة لهذا النوع من التعليم ” (19) .

والمواهب الطبيعية التي يشترطها أفلاطون في انتقاء المعلمين هي : ” أن يتصفوا بالذكاء وسهولة التعليم ، إذ إن التعب يصيب الأذهان من الدراسات الشاقة أكثر مما يصيبها من تمرينات البدن … ولابد لهم أيضاً من قوة الذاكرة ، والجلد على المشقة ، وحب العمل في كل صوره ، وإلا فكيف ننتظر من شخص كهذا أن يتحمل أعباء التدريب البدني ، وأن يمضي بعد هذا الدراسات العقلية التي حددناها إلى نهائيتها ” (20) .

ويرفض أفلاطون أن يسند شرف التعليم ذوي النفوس الوضعية وأولئك الذين لا يتميزون بالأصالة ، لأنه عالم كل العلم بخطورة الموقع الريادي الذي يحتله المعلمون في المجتمع ، وبالأضرار الناجمة عن المعلمين المزيفين ، وها هو ذا يفصح عن هذه الحقيقة قائلاً : ” فمن واجبنا إذا أن تبدي الاهتمام الكامل بكل هذه الأمور ، إذ إننا لو استطعنا أن نجد أناساً لهم من سلامة الجسم والروح ما يتيح لهم إتمام هذه الدراسات والتدريبات الطويلة … لأمكننا أن نضمن سلامة الدولة والدستور . أما عهدنا بهذه الأعمال إلى أناس من معدن مخالف ، فسوف نجب لها الدمار ” (21) .

2- الرقابة على الأساليب التربوية :

يتطلع أفلاطون إلى تكوين مجتمع من الأحرار ، بكل ما يعنيه مفهوم الإنسان الحر تمن نبل وسمو وقدرة على الإبداع ، لذا يقف بحزمك في وجه كل أسلوب تربوي قائم على إكراه المتعلم وإلغاء إرادته ، وتقحم فيه الدروس في ذهنه إقحاماً ، من غير مراعاة لرغابته . إنه لا يرغب البتة في أن تكون التربية طريقاً إلى العبودية ، وإنتاج النماذج المتماثلة في كل شيء .

يقول أفلاطون : ” يجب أن نضفي على الدروس صورة لا تنطوي على أي نوع من الإرغام … لأن تعليم الحر ينبغي ألا يتضمن شيئاً من العبودية فالتدريبات البدنية التي تؤدي قهراً لا تؤذي في شيء . أما العلوم التي تقحم في النفس قسراً فإنها لا تظل عالقة في الذعن ” (22) .

ويتوجه أفلاطون إلى المعلم بالخطاب المباشر ، وهو يمزج التحذير بالنصيحة ، قائلاَ : ” فليس لك – أيها الصديق الكريم – أن تستخدم القوة مع الأطفال . وإنما عليك أن تجعل التعليم يبدو لهواً بالنسبة إليهم ، وبهذه الطريقة يمكنك أن تكشف بسهولة ميولهم الطبيعية ” (23).

3- الرقابة على المادة التربوية :  

إن إخضاع المادة التعليمية للإصطفاء ضرورة تربوية ، لا تغيب عن ذهن أفلاطون ، وبخاصة في المرحلة التربوية الأولى ، فالطفل مخلوق ساذج ، وهو غير قادر على تمييز الواقع من الأسطورة ، والمفيد من الضار . وينبغي فرض الرقابة على كل مادة دراسية يمكن أن يكون فيها ما يدعو ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، ةإلى اقتراف الإثم والميل إلى الجريمة .

وبما أن الدراسات الإنسانية ( الأدب والفنون ) أكثر قدرة من غيرها على التأثير في القيم الدينية والخلاقية والنفسية وبما أنها تحتل مساحة هامة في البرنامج التربوي خلال المرحلة الأولى من الاستراتيجية التربوية ، فإن أفلاطون يوليها قدراً كبيراً جداً من العناية في بابا الرقابة ويخص الشعر القصصي (الملامح) والموسيقا والفنون عامة بالرقابة الأكثر تشدداً .

وقد وضع أفلاطون نصب عينيه أن الأهداف التربوية ينبغي أن تجسد حاجات الفرد والمجتمع ، بل حاجات الفرد في إطار حاجات المجتمع ، وهو يحدد ضوابط الرقابة انطلاقاً من فلسفته التربوية هذه ويقول في هذا الصدد : فلنصرح ببعض القصص ، ولنمنع البعض الآخر من أن يصل إلى أسماع رجالنا طفولتهم ، إن شئنا أن يشبوا على تقوى الآلهة ، وتبجيل الآباء ومحبة الناس ” (24) .

ولا يغفل أفلاطون عن التاثير الشديد للموروث الثقافي ، ولاسيما الشعري والقصصي منه في مجال تكوين القيم والمفاهيم والمبادئ ، ولئلا يترك ثغرات في منهاجه التربوي ، كان لزاما عليه أن يعيد النظر في التراث الملحمي اليواني كله ، ويطعن من غير تردد كثير في من شعراء اليونان القدامى ، وعلى رأسهم هوميروس وهزيود ، ويعدهم ، ويعدهم ” أعظم رواة القصص الكاذب الذي لا يزال شائعاً بين الناس ” (25) ”

ويضيف أفلاطون ، محدداً أسلوب التعامل الرقابي مع الموروث الشعري القصصي ، فيقول : ” أول ما يتعين علينا هو أن نراقب مبتكري القصص الخيالية ، فإن كانت صالحة قبلناها ، وإن كانت فاسدة رفضاها / وعلينا بعد ذلك أن نكلف الأمهات والمرضعات بألا يروين للأطفال إلا ما سمحنا به … أما تلك الأقاصيص الشائعة الآن فمعمها ينبغي استبعاده ” (26) .

وفي دائرة الرقابة التربوية هذه يسن أفلاطون كثيرا من القواعد الكفيلة كثراً من القواعد الكفيلة يكبح جماح الشعراء ، وإلزامهم بما يسهم في تنشئة الأجيال وفق الأهداف المرسومة في الجمهورية ، إنه ضد نظرية الفن ، ويقول بكل حزم : ” نحن ننشء دولة ، ومهمة منشء الدولة هي تأن يصوغ القوالب تالعامة التي كيجب أن يصب فيها الشعراء أقاصيصهم ، ويضع لهم الحدود التي ينبغي ألا يتعدوها . أما تأليف القصص ذاتها فليس من شأننا ” (27).

ومن تلك القواعد ، على سبيل المثال ، إلزام الشعراء بألا يصوروا الآلهة على نحو غير لائق بكمالها ، فالبشر يقتدون بالآلهة ، وإذا صوروا على أنهم يتعاركون ويتشاتمون ، ويفسقون ويكذبون ، ولا يتورعون عن ارتكاب الحماقات والتفاهات والفعال الوضعية ، حسبما يذكر لنا هوميروس وهزيود وغيرهم من شعراء اليونان ، فهذا يعني بكل تأكيد أننا نشجع النشء على الرزيلة ونبتعد عن الفضيلة أشواطا وأشواطاً (28) .

ومنها أيضاً عدم السماح للشعراء بتصوير عظماء الرجال وهم يبكون وينتحبون ويهيموت على وجوههم ، فالرجال العظيم في كل أمة مثل أعلى ، يفتدي به الناشئ ويترسم خطاه ، والنحيب والعويل من شأن الجبناء وخائري العزيمة . أمات إذا ترك الحبل على الغارب ، وتمادي الشعراء في نهجهم المعهود ، مثلما فعل هوميروس بالبطل الإغريقي أخيل ، وبالملك الطروادي بريام في ملحمة الإلياذة ، فلن ” يشب أولئك الذين نربيهم من أجل حراسة وطنهم على احتقار مثل هذا الضعف والخور ” (29) .

ونظراً للترابط الوثيق بين الشعراء والأداء الموسيقي في الملاحم اليونانية ، يسارع أفلاطون إلى فرض الرقابة الدقيقة على الموسيقا أيضاً ، فيطلب بإخضاع اللحن والإيقاع للكلمات ويشن الحملة على الألحان النائحة المنتحبة ، وهي الليدي المختلط والحاد، والليدي الممتلئ أو الخفيض ، ويرفض الأنغام المسترخية ، ويقول في ذلك : ” ى أود أن تعبر الموسيقا إلا عن الأنغام اتي تحاكي رجلا شجاعاً ، خاض معمعة أو أنغمر في أي عمل عنيف ، ثم غلب أمره فسار وهو مثخن بالجراح ، مهددة بالموت .. وكان في كل هذه المحن يتلقى ضربات القدر بقلب ثابت وعزم لا يلين ، ولتكن هناك أنغام تحاكي رجلاً منهمكاً في عمل سام حر خلا من كل عنف ، يستعين على قضاء حاجته بالصلاة والابتهال إلى الله ، أو يقنع الناس بالمعرفة والنصيحة … ويتصرف في كل أموره بحكمة واعتدال ” (30) .

ثم يضيف أفلاطون موضحاً : ” هاتان الطريقتان في التعلم ، وهما اللتان تمثل إحداهما الضرورة والأخرى الحرية ، وتعبران عن الشجاعة في تحمل الشقاء ، والحكمة والرزانه في أوقات الرخاء ، هاتان هما الطريقتان اللتان أود نصرح بهما في دولتنا ” (31) .

ولا تنجو فنون التصوير والنسج والتطريز والعمارة من الرقابة أيضاً ، ويقول أفلاطون في هذا المجال : ” لا شك أن الأفتقار إلى الرشاقة ، وإلى الإيقاع والانسجام ، يقترن بانحطاط التعبير والتفكير وسوء الطبع ” (32) . وهو يرى أن الافتقار إلى هذه الفضائل الجمالية تفسد طباع النشء إلى أذواقهم .

وجملة القول أن منهاج أفلاطون التربوي لم يأت من فراغ ، إنه يضرب بجذوره في صميم الحياة الاجتماعية والسياسية اليونانية آنذاك ، ولو تتبعنا الأهداف اتي تيتوخاها أفلاطون من وراء منهاجه التربوية ، لوجدناها تتمثل في تنشئة مواطنين يتحلون قوة بقوة الجيم ، ورهافة الحس الجمالي ، ونبل النفس ، وشجاعة القلب ، وعلو الهمة ، وصلابة الإرادة ، ورجاحة العفل ، والتفاني في خدمة الوطن ، ولا نعتقد أن ثمة دولة يمكن أن تنعم بالحياة الحرة ، وتفوز بالأزهار والاستقرار والمجد ، إلا بتنشئة مواطنين من هذا النوع .

وماذا لو أن المؤسسات التربوية المعاصرة شاءت أن تكون غير مثالية ، فحذفت من مناهجها القيم الدينية والاجتماعية والجمالية والعلمية والوطنية ، التي طمح منهاج أفلاطون التربوي إلى تحقيقها ؟ هل ستكون عندئذ جديرة بأن تسمى مؤسسات تربوية حقيقية ؟

الخاتمة

تعكس الكتابات الأفلاطونيّة، من حيث أسلوبها المتمثّل في الحوار، حركة التّفكير ذاته, فأفلاطون لا يقدّم عرضا نظريّا صرفا لفلسفته بقدر ما هو يقوم باقتراح مسألة أو موضوع ثمّ تقوم الشّخصيّات عن طريق الحوار الذّي يجمعها بفحص هذه الفكرة و بتقديم تعريفات لا تلبث أن تتبيّن محدوديّتها فتتجاوزها إلى تعريفات أخرى أكثر متانة و هكذا , و يكون سقراط في هذه المحاورة هو من يمثّل الفيلسوف المسائل ة الأصيل الذّي يعترف بمحدوديّة المعرفة السّائدة و يسعى عن طريق إحراجات أسئلته إلى حمل الآخرين على تجاوز معرفتهم الزّائفة و الوهميّة و الإنقذاف نحو فعل التّفكير, و في هذه الحركة ( حركة التّفكير ) يتجسّد المنهج الجدلي الذّي يتمثّل في إجبار النفس على أن ترتفع من ما هو محسوس و مباشر و مظهري نحو عالم الأفكار و الماهيّات الحقيقيّة التّي تتميّز بالشّموليّة و الثّبات.

المراجع

1-  عبدالرحمن بدوي : موسوعة الفلسفة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولى ، 1984، الجزء الأول ، ص154 – 155 .

  • جورج طرابيشي : معجم الفلاسفة . دار الطليعة بيروت ص 64 – 65
  • فؤاد زكريا : جمهورية أفلاطون ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1985، 20-24 .
  • يوسف كرم ,تاريخ الفلسفة اليونانية , الطبعة الأولى , دار القلم ,2008م.

فؤاد زكريا : جمهورية أفلاطون ، ص345 .

2-      المرجع السابق ، ص347 .

3-      المرجع السابق ، ص348 .

4-      المرجع السابق ، ص357 .

5-      المرجع السابق ، ص384 .

6-      المرجع السابق ، ص429 .

7-      المرجع السابق ، ص433 .

8-      المرجع السابق ، ص435 .

9- المرجع السابق ، نفسه.

10- المرجع السابق ، ص439 .

11- المرجع السابق ، ص441 .

12- المرجع السابق ، ص445 .

13- المرجع السابق ، ص443 .

14- المرجع السابق ، ص452 .

15- المرجع السابق ، ص453 .

16- المرجع السابق ، ص447 .

17- المرجع السابق ، نفسه .

18- المرجع السابق ، ص448 .

19- المرجع السابق ، ص449 .

20- المرجع السابق ، نفسه .

21- المرجع السابق ، ص250 .

22- المرجع السابق ، ص340 .

23- المرجع السابق ، ص239-240 .

24- المرجع السابق ، ص242 .

25- المرجع السابق ، ص241، 242، 243، 246 .

26- المرجع السابق ، ص253 .

27- المرجع السابق ، ص268-269 .

28- المرجع السابق ، ص269 .

29- المرجع السابق ، ص271 .

30- المرجع السابق ، ص454 .

31- المرجع السابق ، ص300 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2 Responses

  1. Etta Said,

    That’s 2 celevr by half and 2×2 clever 4 me. Thanks!

    Posted on June 12th, 2011 at 2:57 pm

  2. باسم حسين مسلم أبو عروق Said,

    السلام عليكم
    شكرا كثير على الموضوع بسراحة موشوع حلوة
    وقيم وهو كالنهر من المعلومات الذي تتجدد كلما اطلت القراءة

    Posted on May 22nd, 2012 at 1:31 pm

اضافة رد

You must be تسجيل الدخول مرحلة ما بعد الرد

تسجيل الدخول

المواضيع